– هذه المحاضرات جمعت بجهد عدد من الناشطات والنشطاء

اسم المحاضرة/المُحاضر
(1) أولي الأمر لا ولي الأمر – الدكتور عبدالكريم الخضر
(2) نزع أقنعة الاستبداد أولى خطوات الإصلاح السياسي – الدكتور محمد القحطاني
(3) حكم المظاهرات والاعتصامات في الشريعة الإسلامية – الشيخ سليمان الرشودي
(4) التعددية بين هدي الراشدين وهدي المستبدين – الدكتور عبدالله الحامد
(5) اعتصامات بريدة والحراك السلمي – الدكتور محمد القحطاني والدكتور محمد العبدالكريم
(6) هلموا إلى الجهاد السلمي بدلاً من العسكري – الدكتور عبدالله الحامد
(7) دول الجزيرة والخليج الوراثية من الضغط إلى الانفجار – الدكتور عبدالله الحامد
(8) ما الذي نخسره بغياب سلطة القانون؟ – الدكتور محمد القحطاني
(9) أسباب انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية – الدكتور محمد القحطاني
(10) إرهاصات الربيع العربي والمستقبل السياسي للجزيرة العربية – الدكتور محمد القحطاني
(11) تأييد هيئة كبار العلماء لسارقي أموال الشعب وكرامته – الدكتور عبدالله الحامد
(12) من هم معطلو التنمية الحقيقيون ؟ – الدكتور محمد القحطاني
(13) هل نحن أمام حرب بالوكالة في المنطقة؟ – الدكتور محمد القحطاني
(14) الملاحقة الدولية للمنتهكين من القضاة والمحققين (قراءة في وثيقة مناهضة التعذيب) – الدكتور عبد الكريم الخضر

(١) أولي الأمر لا ولي الأمر – الدكتور عبدالكريم الخضر
الالتزام بالألفاظ الشرعية كما وردت في الكتاب والسنة مطلب شرعي ومنهج سلفي، كان السلف الصالح المصلح والقرون المفضلة يلتزمون به لأنه نص من الله عز وجل ، فإذا كانت هذه الألفاظ تتعلق بأمر من أمور الشريعة الإسلامية فإنه لا يجوز الاجتهاد فيها بالزيادة ولا بالنقصان ولا الاشتقاق خاصة حينما يكون هذا اللفظ وارد في الكتاب أو السنة، والأكثر خطأ وشناعة عندما يكون هذا اللفظ المشتق أو المُزاد لا يتوافق مع ما جاء في الكتاب والسنة ومن تلك الألفاظ التي ينبغي أن يُلتزم فيها بالنص الشرعي ما جاء في القرآن الكريم عن الله عز وجل أنه سمّى من يجب على المسلمين طاعتهم بقوله “أولي الأمر” يقول الله عز وجل “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” وكلمة أولي هنا في لغة العرب لا مفرد لها من لفظها، ولا يصح لغة اشتقاق لفظ مفرد لأن اللغة العربية أخذت سماعاً فلا يجوز أن نشتق مفرد من الكلمة خاصة إذا كان يتعلق بها حكم شرعي تعبدي لأن الاشتقاق هنا يكون قد زاد المشتق فيه زيادة في دين الله عز وجل وأعطى مستحقاً شرعياً لمن لم يرد في الشرع استحقاقه له، كوجوب الطاعة المطلقة لواحد من جماعة .جعل الله الطاعة لمجموعهم لا لمفرد منهم فالله عز وجل يقول “وأولي الأمر منكم” إذاً يجب طاعة أولي الأمر (وما في مفرد عشان نقول وكل واحد منهم يجب طاعته على حدة) لأن الله وهو الحكيم الخبير جاء بهذه اللفظة التي لا مفرد لها من لفظها فالله عز وجل عنى ذلك بأن أتى بلفظة لا يمكن أن يُشتق منها مفرد، المشكلة أنه يأتي من يستدل بهذه الآية على وجوب الطاعة لشخص واحد.
نقول نعم تجب طاعة أولي الأمر بمجموعهم حين يصدر الأمر من عمومهم لا من الشخص بمفرده. أولوا الأمر وأولي الأمر صيغتان تفيدان الجمع المطلق وطالما أنه لم يرد لهما لفظ مفرد في لغة العرب الفصحى فلا يصح لغة أن نقول أولوا الأمر أو أولي الأمر جمع مفردهما ولي وذلك لأن ولي في اللغة العربية تُجمع مع أولياء و ولاة , فمعنى ذلك لا يصح لا لغة ولا شرعاً تسمية الحاكم بولي الأمر بل يُسمى حاكماً أو سلطاناً أو أميراً أو رئيساً ,لكنه لا يُسمى ولي أمر لأن الولي يكون عادة على السفيه أو الصغير.
نخلص مما سبق أنه لا يجوز أن يُسمى من تجب طاعته على عموم المسلمين إلا بأولي الأمر لكن واحدهم لا يُسمى ولي أمر لذلك عندما نقول أن أولي الأمر هم نواب الأمة و عرفاؤها المنتخبين منها لا المفروضين عليها فإننا نقول أن مسمى أولي لمجموعهم لا يُشتق منه أن واحدهم ولي أمر حتى لا نعطيهم حكماً شرعياً هو لم يثبت في دين الله عز وجل فنقع هنا في محذورين الأول العبث في لغة العرب بالإدراج فيها والزيادة عليها مما ليس منها الأمر الثاني أو المحذور الثاني ابتداع حكم شرعي وفرضه على عباد الله، والله عز وجل لم يفرضه على عباده فأصبحنا كأننا نشرع وفرضنا شيئاً على عباد الله والله عز وجل لم يفرضه عليهم، وإنما الحكم الشرعي هو وجوب الطاعة لعموهم لا للواحد منهم والأسوأ أن يأتي من يعتبر أن طاعة الواحد منهم من العبادات الشرعية المفترضة على الأمة.
والأشنع أن يسمى الحاكم أو العالم أو العريف أو النائب ولي أمر أعظم، هذا أشنع. ولي أمر أعظم؟!
ولي الأمر الأعظم هو الله عز وجل هو الذي ولي أمور عباده كلهم هذا المسمى لا ينبغي أن يطلق إلا على الله عز وجل هو الأعظم وهو الذي ولي أمر الناس كلهم فقد قال الله عز وجل عن نفسه ” الله ولي الذين آمنوا ”
وقال عن الرسول صلى الله عليه وسلم ” النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم “.
وبناءاً على كل ما سبق فإن الأسلم لتوحيدنا وعقيدتنا الابتعاد عن ما يمكن أن يكون من أساليب التقديس للأشخاص عن طريق تسميتهم بمسميات هي لم تثبت لهم شرعاً أو عن طريق فرض عبادات ليست لهم أو إعطاءهم ألفاظٍ لا تصح أن تُطلق عليهم ولم يسميهم الله عز وجل بها لذا علينا أن نبقي الألفاظ الشرعية في القرآن الكريم على ما هي عليه دون زيادة أو نقص أو اشتقاق.
لقائل أن يقول ما الحكمة من هذه اللفظة؟ ماذا نستفيد حينما نقول أنه لا وجود لكلمة ولي أمر في الإسلام وإنما أولي أمر فما الحكمة في ظنك؟
أما الحكمة فهي ظاهرة فمن المتفق عليه عند سلف هذه الأمة الصالح المصلح أنه لا يمكن أن يرد شيء في القرآن ولا السنة إلا وفيه حكمة بالغة فقد سمى الله عز وجل نفسه بالحكيم فأفعاله وأقواله منزهة عن العبث بناءاً على ذلك فإنه لا يمكن أن يشك عاقل أن الله جعل هذه الكلمة معبرة عن من تجب طاعتهم من حكام الأمة و ولاتها بأولي الأمر لحكمة بالغة لم يقل ولي أمر.
أهم مفاسد جعل أمر الأمة بيد شخص واحد ..
١. إن جعل أمر أمة الإسلام كلها بيد شخص واحد يفعل فيها كيف يشاء ويتصرف فيها كيف يشاء ويعبث بمصالحها ومقدراتها كما يشتهي يؤدي بشكل مباشر وسريع إلى تقديس هذا الشخص وإعطائه من الصلاحيات ما لم يشرعه الله عز وجل ولم يأذن به وهذا يؤدي بالتالي إلى وصفه بصفات لا تليق إلا بالله عز وجل كمثل ما أفتى به البعض عن عدم جواز مساءلة الحاكم ولا محاسبته ولا مناصحته وأنه لا يُسئل عما يفعل وأن أفعاله لها من القداسة ما يحرم معها أن يُعترض عليه حتى وإن اعترضت الأمة بعمومها أو بأفراد منها وأنه لا يمكن أن يخطئ خطأً مقصوداً وهذا ما أدى به إلى التأليه والتقديس المباشر في بعض البلدان الإسلامية بل أدى إلى اعتقال كل من أسدى نصيحة له وأدى إلى العبث بأموال الأمة ومقدراتها وموالاة أعدائها وأطلق أيدي المتنفذين في جميع مقدرات الأمة حتى أصبحت بعض بلاد المسلمين الغنية تضم بين سكانها فقراء لا يجدون لقمة عيش يسدون بها رمق جوعهم أو كساء يستر عوراتهم أو منازل تؤويهم .
٢. إن جعل أمر الأمة كله بيد شخص واحد يؤدي إلى الهيمنة التامة على مفاصل الأمة وقراراتها والتعدي على مقدرات الأمة كأن الأمة انحصرت في شخص الحاكم فأصبح الولاء له و به والمعاداة من أجله فأصبحت الأمة كلها بيد شخص واحد تحيط به بطانة فاسدة اختارها لتصفق الله وتبارك أفعاله.
٣. إن جعل أمر الأمة كله بيد شخص واحد قد جر الأمة مكرهة أو راضية إلى حروب ومناكفات حصلت بهوى الحاكم فجعلت الحكام يدخلون في هذه الحروب من أجل منافع شخصية لا دخل للأمة بها من قريب أو بعيد مما أصابهم في ويلات ومصائب جعلتها كلها مواطن لابتزاز الغرب وتحت رحمته في طلب المساعدات مما يجعلها غير مستقلة في قراراتها المصيرية.
٤. أن جعل الأمة كلها بيد شخص واحد مهما بلغ عقله وحكمته وحنكته مخالف مخالفة صريحة لقول الله عز وجل “وأولي الأمر منكم” والتي أوجبت الطاعة لعموم أولي الأمر لا لخصوص شخص واحد كالحاكم أو نحوه فقصر أمر الأمة على الحاكم وبطانته ومن يختارهم من مستشاريه تكون فيه الأمة قد خالفت أمر الله إذا كان أمرها بيد شخص واحد يسوقها كيف يشاء.
٥. إذا كان أمر الأمة بيد شخص واحد ولم تفرض عليه اختيار نواب يمثلونها بالقرارات المصيرية وتركها بيد شخص واحد مهما بلغ عقله وحكمته وحلمه وخبرته إذا كان هو المسئول الوحيد عن مصير الأمة وقراراتها فإنه لا
شك سيخطئ بل ويصيبه العجب والغرور فيصل حاله في نهاية الأمر كحال فرعون الذي طغى وتجبر فظن وزعم أنه إله فسخر قومه لخدمته فجّر قومه أولاً للكفر بالله عز وجل ورفض ما جاء به نبيه موسى عليه السلام حتى أصابهم ما أصابهم من ذل وخنوع بسبب أنه “فاستخف قومه فأطاعوه”.
٦. إذا خولف أمر الله وجعل أمر الأمة كلها بيد شخص واحد ثم بعد ذلك سمته ولي أمر واعتقدت بوجوب طاعته المطلقة نشأت هذه الأمة ذليلة صاغرة لا تشعر بعزة المؤمنين ولا تشعر بأن الواجب عليها قصر الطاعة المطلقة لله
ونشأ فيها جيل خانع ذليل يوصله خنوعه وذله إلى درجة خطيرة من الخلل في العقيدة تتربى عليه الأجيال جيل بعد جيل ونرى في بعض الدول الإسلامية من يصرف بعض العبادات للحكام فهل بعد هذا الخلل العقدي من خلل تسبب به بعض الجبناء والجهلة الذين يسمون علماء وهم في حقيقة الأمر عملاء للحكام الطواغيت الذين أوصلوهم لدرجة من القداسة فلم يعد أحد منهم يجرؤ على محاسبة الحاكم أو المطالبة بمحاكمته لأنه أصبح ممن يسأل الأمة عما تفعل وهو في ذات الوقت لا يُسئل عما يفعل تشبهاً منه بالله عز وجل .
٧. أن طاعة الأمة للفرد الحاكم غير واجبة إنما الواجب طاعة الجماعة الحاكمة في الأمور المصيرية وهم أولي الأمر، فلو أراد الله طاعة الفرد لبين ذلك في كتابه ولكن الله أوجب على النبي صلى الله عليه وسلم مشاورة أصحابه في قوله ” وشاورهم في الأمر” وهذا بصيغة الأمر والأمر عند الأصوليين يفيد الوجوب إلا بصارف يصرفه من الأمر إلى الندب فإذا كانت المشاورة واجبة على النبي الذي يأتيه الوحي من فوق سبع سماوات فهي واجبة على غيره من باب أولى، ولا يمكن أن تكون المشاورة بالتشهي أو التخير كما يقول البعض وهنا تكون المشاورة عبثية ولا قيمة لها.

(٢) نزع أقنعة الاستبداد أولى خطوات الإصلاح السياسي – الدكتور محمد القحطاني
في هذه المحاضرة ننطلق من واجبات الطبقة المثقفة في البلد والتي تنطلق من توعية الناس بحقوقهم وتبديد الشبه التي تكتنف مشروعات الإصلاح السياسي من معوقي الإصلاح .
فنحن ننطلق من واقع الشعب، واقع تردي وضياع حقوق الشعب سواء بسبب الإهمال أو تجاهل النظام السياسي وانتهاكه لحقوق الشعب المدنية والسياسية والحرمان من حقوق الإنسان الأساسية من حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتلك الحقوق هي التي تميز الإنسان الذي كرمه الله عن البهائم يعني حقوق الإنسان الأساسية إذا حُرم منها أي شخص فهو لا يختلف بواقعه عن البهيمة، فهو لا يستطيع أن يتحدث بشكل مطلق ولا يستطيع أن يُعبر عن رأيه ولا يستطيع أن يتجمع مع أشخاص آخرين كأنهم مجموعة بهائم في حظيرة، تُدار البلد بطريقة الحظيرة ويحرم الناس من حقوقهم حسب رغبات المتنفذين في النظام السياسي، هذا ناهيك عن تورط النظام السياسي نفسه بالتعذيب البشع لمخالفيه والزج بهم في معتقلات تعسفية وحرمان المعتقل من أبسط حقوقه التي أقرتها الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية بل حتى في الأنظمة والقوانين المحلية وعلى الرغم من فداحة تلك الانتهاكات لا تجد من يتحدث عن الجرائم ضد الإنسانية التي تمارس ضد أبناء الشعب بل لا تجد من ينتقد فضلاً عن من يعترض على النظام السياسي، في السابق كانت فقط بعض المنظمات الدولية تنشر بياناً يتحدث عن بعض الانتهاكات وعادة لا يؤخذ بشكل دقيق لأنه يفتقد للمتابعة و تتبع مثل هذه التقارير المحلية.
حتى قام مجموعة من الناشطين بتأسيس جمعية الحقوق المدنية والسياسية في شهر أكتوبر من عام ٢٠٠٩ التي بالفعل أخذت على عاتقها الدفاع عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في البلد مثل الاعتقالات التعسفية والتعذيب والاختفاء القسري وغيرها بل وأخذت على عاتقها أيضاً فضح ممارسات الأجهزة الأمنية من خطف وتعذيب واعتقال واختفاء قسري ولذلك هذه الملاحقة سواء بالتحقيق أو المحاكمة هي منطلقة من هذه النقطة .
علينا أن لا تلتفت إلى ما يطرحه النائب العام الذي هو يدلس في الحقيقة وتطرح القضية في المحكمة وكأنها قضية جنائية تدليساً وهذا هو لب الموضوع. وفي الحقيقة لو أن وزارة الداخلية لم تتورط بانتهاكات لتقدمت لها بالشكر الجزيل على ملاحقتها لنا لأنها أعطتنا فرصة لنفضح الوزارة ونفضح أجهزتها المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان بل ونفضح مدى عدالة ونزاهة القضاء وبالتالي هذا هو اختبار للمستقبل لنرى مدى استماع هذه الأجهزة لما لدينا من أدلة في هذا الشأن والأدلة موجودة ونحن في أثناء التحقيق أخبرنا المحققين عن هذه الأدلة ومدى دقتها من خلال رصد لثلاث سنوات، هناك أدلة بشعة لتورط أشخاص في الأجهزة الأمنية في مثل هذه الانتهاكات. وبالتالي نحن انطلقنا بالفعل من معاناة شعبنا المعتقلين لعشرات السنين دون لائحة اتهام أو أحكام قضائية ونظرنا إلى أساس المشكلة فوجدنا أن الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية هو السبب الرئيس.
عندما لا يستطيع الشعب أن يختار أو يصوت يفقد كافة حقوقه السياسية والمدنية ومن ثم تتجرأ الأجهزة الأمنية في المزيد من مصادرة الحقوق فحرمان الشعب من التصويت لاختيار ممثليه وانتخاب حكومته في ظل ملكية دستورية , و وجود أحزاب سياسية تكفل تدريب أفراد المجتمع على آليات الديمقراطية أدت إلى تردي حقوق الشعب وحرياته .
لا يمكن في ظل نظام مستبد أن تحصل على الحقوق المدنية والسياسية وحقوق الإنسان الأساسية ما لم يكن هناك ضمان وآليات ديمقراطية. لكنا نؤكد بأننا لن نسكت عن انتهاكات حقوق الإنسان تحت أي ضغط مهما هددونا بالفصل من الوظيفة والسجن المغلظ بل وحتى لو فصلوا رؤوسنا عن أجسادنا سنستمر في رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفضح وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية حتى يمثلوا أمام المحاكم التي تقتص منهم وتنصف الضحايا وتطوي صفحة مظلمة من تاريخ بلادنا ,ولن نسكت أيضاً عن حرمان الشعب من حقوقه في حياة كريمة كباقي شعوب الأرض.
لكن قبل الوصول لتلك الأهداف لابد من دراسة الفكر الاستبدادي وتحليل مقوماته وآثاره ومن ثم تفكيكه. أي ناشط سواء كان في الحقل السياسي أو في الحقل الحقوقي لابد أن يعرف عقلية النظام المستبد ويعرف كيف أن يتعامل معه، ومحاولة تفكيك هذا الخطاب الذي فيه تلبيس على الناس بالباطل كما سنرى هذه الأقنعة التي يلبسها النظام السياسي كل فترة يلبس قناع الدين ويخاطب الناس بخطاب ديني ثم ينزع هذا القناع ويلبس قناعاً آخر فيه شكل الدولة المدنية ويخاطب كنظام مدني فتفكيك هذا الخطاب ونزع هذه الأقنعة تكون أول خطوة لنيل هذه الحقوق، لذا فالملاحظ على الدول الشمولية هو تردي أخلاقيات المجتمع أي نظام شمولي يسيطر على بشر تجد هناك تردي في أخلاقياتهم فتجد انتشار الغش والجشع والخداع والبحث عن الكسب بكافة الوسائل هي صفة سائدة في المجتمع وغياب روح الإبداع ,وعدم القدرة على بذل الجهد في العمل كما ينتشر في المجتمع الاضطراب في سلوكيات الأفراد تجد الشخص مزعزع مضطرب حتى في مواقفه. ولعل أصدق مثال على ذلك التناقضات الفكرية الموجودة في المجتمع بسبب مصادرة حرية الرأي والتعبير تجد أن هناك اضطراب فكري على سبيل المثال في مرحلة الستينات والسبعينات كان هناك منظمات سرية بسبب غياب حرية الرأي والتعبير لأنها لا تستطيع التعبير عن آراءها وبالتالي كان هناك منظمات سرية تعتنق الفكر اليساري في مرحلة الستينات والسبعينات لتحل محلها الصحوة الإسلامية لاحظ تغير ١٨٠ درجة وأنا طبعاً لا أنكر أنه قد يكون هناك يد للحكومة في نشر مثل هذه الأشياء وبالتالي سيطرت الصحوة الإسلامية في الثمانينات وحتى منتصف التسعينات لتحل محلها الليبرالية الحكومية منذ أواسط التسعينات وحتى الآن إلا من رحم ربي أنا لا أريد أن أتهم كل من يتبنى أطروحات ليبرالية طبعاً هناك قلة تؤمن في الأفكار الليبرالية السياسية أو حتى الليبرالية الاجتماعية بل وإن من الملاحظ على مجتمعنا هنا تذبذب بل وتطرف الأشخاص في اعتناق فلسفات فكرية ,أو توجهات أيدلوجية فتجد الشخص تارة متطرف بتدينه ليصبح بعدها معتنقاً لأفكار علمانية متوحشة هذا الاضطراب في السلوك مرده إلى قمع حرية الرأي والتعبير الذي تمارسه الأنظمة المستبدة. لكن السؤال الذي يبقى كيف استطاعت الأنظمة المستبدة البقاء على الرغم من ضعف بنيانها وهشاشة بنيتها، النظام المستبد بطبيعته هو منفصل عن المجتمع ولا يوجد ترابط بينه وبين الشعب وهو هش ليس له قاعدة شعبية في المجتمع لكن كيف بقى طول هذه الفترات؟
لعل الأمر يعود إلى أقنعة ترتديها الأنظمة المستبدة لتخدع السذج والغافلين.
الاستبداد حتى يبقى لابد أن تكون لديه إستراتيجية فإذا عرفت هذه الإستراتيجية ستعرف كيف تتعامل معه وكيف تفضحه وتكشف زيفه ومن ثم تنزع هذه الأقنعة، دعونا نستعرض هذه الأقنعة وأنا وضعت أكثر من عشرين قناع وأنا متأكد أن العدد أكثر من ذلك بكثير لكن هذا هو ما استطعت التوصل إليه.
القناع الأول: هو قناع الجهل، النظام السياسي يستخدم الجهل وتجهيل الشعب كوسيلة لخداعه وبقاء النظام السياسي المستبد فجهل الشعب بحقوقه هو أكبر محفز لطول عمر النظام السياسي المستبد فيكون الشعب كمن وقّع على بياض في صفقة تجارية لشريكه ليفعل ما يشاء، لذا فإنه ليس محض صدفة أن يكون النظام التعليمي بكافة مراحله تحت أنظمة الاستبداد فاشلاً لا يحفز على التفكير الخلاق ويمارس النظام رقابة صارمة على مصادر المعلومات ومنعها والطعن في وسائل الإعلام المستقلة إذا لزم الأمر.
القناع الثاني: الخصوصية، فالنظام السياسي المستبد يوهم الشعب بأن هذه البلاد لها خصوصية خاصة حتى تكون استثناءاً من البشر وكأن الشعب لا يعيش على الأرض بل أتى من الكواكب الأخرى فتسوق الديمقراطية وحقوق الإنسان وسلطة الشعب على أنها مصطلحات خارجية لا تناسبنا ويروج أن تطبيق مثل هذه المفاهيم في بلادنا سيكون لها نتيجة كارثية. لكن الآن مع العولمة والتواصل الإنساني بين الناس على اختلاف ألوانهم وعقائدهم ومللهم تجد هناك قيم إنسانية مشتركة.
القناع الثالث: التجهيل والتضليل من خلال آليات مختلفة كالإعلام المنحط وأنا أتحدى أن يوجد برنامجاً إعلامياً واحداً يوعي الناس بحقوق المواطنة ,وفي المقابل هناك كماً هائلاً من قنوات الشعر الشعبي وقضايا التراث والبداوة حتى يصوروا المجتمع بأن أقصى اهتماماته مزايين الإبل وكأنه لا يعرف قيم الحضارة الإنسانية وكذلك إنفاق المليارات من المال العام على الرياضة أنا لست ضد الرياضة, الرياضة مهمة لكن يجب أن تمول تمويلاً ذاتياً كباقي دول العالم وليس من المال العام. وقد تحدث أحد المختصين في قضايا الشباب مع أحد معوقي الإصلاح فرد الأخير قائلاً “عن أي شباب تتحدث؟ طالما هناك الكورة والدش فلا تهتم ولن يكون هناك شباب يعي بحقوقه”
الرياضة مهمة لا أنكرها لكن تتبناها الدولة بهذه الطريقة وتنفق المال العام عليها فهناك سبب سياسي لتجهيل وتضليل الشعب.
القناع الرابع: وجود طبقة مثقفة مزيفة في المجتمع كالكتاب وأساتذة الجامعات بدلاً من أن تنشغل بالقضايا التي تواجه الأمة شغلت نفسها بقضايا تافهة بل وأسهمت في تضليل الوعي الشعبي من خلال الكذب الصريح في تبني أطروحات تخدم الاستبداد، فقد أخبرني أحد الزملاء أن أحد المختصين في العلوم السياسية أعد بحثاً يدلل فيه على أن السعودية في وضعها الحالي هي ملكية دستورية كيف أثبتها أنا لا أعلم. وهناك طبقة من أساتذة الجامعات ما هم بحقيقة الحال إلا أخويا بالفعل يذهب ويدرس في الجامعات الغربية ويتلقى أعلى مستويات التعليم بتمويل من أموال الشعب حتى يخدم مجتمعه ثم يعود خوي برتبة أستاذ جامعي، بل إن أحد الكتاب الغربيين كتب عن مشاهداته وفصّل في هذا الشأن، يقول: جلست في مجلس بوجود أحد النافذين السياسيين والموجودين كلهم أساتذة جامعات أبداً لا يختلفون عن الجهال الأخويا الذين يقومون بإعداد القهوة ومتابعة السَلَق والصقور، لكن هذا هو الاستبداد يمسخ قيادات المجتمع لتصبح تابعة بدلاً من أن تقود المجتمع.
وكما يقول الشاعر “من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرحٍ بميتٍ إيلام”
القناع الخامس: الخطاب الديني، وهذا قناع في غاية الأهمية ويحمي الاستبداد فهذا الخطاب يزدري القيم الديمقراطية ويصفها بالبدعة لأنها تحل سلطة الشعب محل شريعة الله ولا مانع عنده وهو يؤكد على السلطات اللامحدودة لولي الأمر تحت شعار ولي الأمر أدرى بالمصلحة أن يحل المستبد محل سلطة الله ولا يختلف هذا عن خطاب الكنيسة في جنوب أفريقيا في خمسينيات القرن الماضي والذي يقول أن العبودية قدركم فليس لكم إلا الخنوع.
القناع السادس: هو تعامل النظام المستبد مع حرية الرأي والتعبير، لاحظ الربيع العربي فضح الأنظمة المستبدة، هي حاولت أن تماهي الربيع العربي بأن تتحمل بعض حرية الرأي والتعبير لكن هناك إشكالية إن سمحت بمزيد من حرية الرأي والتعبير سيؤدي هذا لمزيد من تدهور هيبتها وإن زادت في القمع فإن هذا يؤدي إلى مزيد من المطالبة وارتفاع الأصوات وبالتالي قد يؤدي لإسقاط النظام السياسي، لذا فالأنظمة المستبدة تتعامل مع حرية الرأي والتعبير بحذر شديد بحيث يكون وسيلة تنفيس للشعب في إطار معين ولحدود معينة إذا تجاوزها الفرد فإنه يُقمع.
القناع السابع: تعامل الأنظمة المستبدة مع مؤسسات المجتمع المدني فتدعي أنها تسمح لمؤسسات المجتمع المدني لكنه في الحقيقة في أضيق نطاق، بل إنها تسمح بأن تحرم المجتمع من وجود قيادات شعبية، دع عنك مؤسسات المجتمع المدني عندما يكون هناك مجموعة مثقفين لديهم أطروحات سياسية فيستعدوا للملاحقة والمحاسبة والمحاكمة والسجن فلا يوجد قيادات شعبية يمكن أن تقود المجتمع في كثير من القضايا.
القناع الثامن: نشر صور دعائية لتلميع صورة النظام المستبد ويبين بأنه نظام يحمي حقوق الإنسان وقريب من الشعب وأن لديه علاقات قوية مع الشعب وأنه ليس في معزل عن الشعب بل قريب منه وهذا غير صحيح مثل شعار مملكة الإنسانية أنت تنتهك حقوق الإنسان فكيف تكون مملكة الإنسانية وأنت عضو في منظمة حقوق الإنسان فيجب أن تلتزم بما يوجبه عليك هذا الموقع.
القناع التاسع: أيضاً النظام المستبد لديه طريقة في تخويف الناس من المجهول يقول لك نحن مجتمع قبلي فلا يمكن أن توجد الديمقراطية في ظل هذا النظام لأن القبائل ستصوت لمرشحيها، طيب ما هو الحل؟ الحل هو وجود أحزاب سياسية تذوب فيها القبائل والأيدلوجيات وغيرها.
يمكن أن تضع تنظيم يمنع قيام أحزاب سياسية بناءاً على قبلية أو طائفية أو مناطقية بل تكون على مبادئ إنسانية عليا، إذاً كانت الديمقراطية نجحت في جمع شتات الهنود الذين أتوا من لغات شتى وأعراق شتى ليجمع شتات الشعب في دولة سوف تزاحم في المستقبل دول العالم على الصدارة، والولايات المتحدة الأمريكية أيضاً مثال واضح على شعوب أتوا من أصقاع الأرض من خلفيات وأديان مختلفة ومع ذلك نجحت الديمقراطية في جمعهم.
القناع العاشر: الإصلاحات الشكلية، عندما ترتفع أصوات الناس المطالبة بالإصلاح يقوم النظام المستبد بعمل إصلاحات شكلية ما هي إلا خدعة، وبالتالي هذه الإصلاحات لا تمس جوهر الإصلاح السياسي.
المعيار واضح إذا كان هناك سلطة للشعب أو اقتسام للسلطة مع الشعب بقدر هذا الاقتسام يكون هناك إصلاحات جوهرية غير ذلك هو خداع علينا أن نتجاوزه دعني أعطيكم مثالاً في أوائل التسعينات عندما بدأت المطالبة بالإصلاحات قدمت الدولة ثلاث مشاريع مشهورة وهي النظام الأساسي للحكم ونظام المناطق ومجلس الشورى، ماذا قدمت هذه المشاريع؟ لاشيء، وبعد عشر سنوات من هذه المشاريع قامت الدولة مرة أخرى بتقديم مشروع الحوار الوطني وانتخابات البلدية، ماذا قدمت هذه المشاريع؟ الناس تعلم أنها خدعة لم تقدم شيء وقبل فترة إشراك المرأة في مجلس الشورى والانتخابات البلدية لا تقدم شيئاً.
القناع الحادي عشر: إبقاء المواطنين في وظائف عامة واستخدام هذه الوظائف العامة لابتزاز المواطنين، لاحظ الدولة طرحت منذ أواسط التسعينات مشروع السعودة وهذا مشروع فاشل أنا أستطيع أحكم لك الآن بأنه مشروع فاشل، لماذا؟
لأنه إذا مشينا في العشرين سنة الماضية يفترض أن يكون عدد الموظفين السعوديين في القطاع الخاص فوق ٧٠٪ الآن في الإحصائيات لا يصل إلى ١٠٪ , وهذا يدل أنه فشل هناك جملة من الأسباب لماذا فشلت السعودة أحدها أن الدولة تريد إبقاء المواطنين موظفين لديها حتى تستطيع ابتزازهم في مصادر رزقهم حتى لا يستطيع المواطن المطالبة بحقوقه، لماذا؟ أذكركم بالقرار الذي أصدرته الدولة قبل عدة سنوات القرار يقول من وقع على بيان سياسي سوف يفصل وكثير من الوزارات نشرته على شكل تعميم على موظفيها .
القناع الثاني عشر: عادة ما يلجأ النظام المستبد لشراء الذمم من خلال الهدايا وعرض الوظائف العليا حتى يضمن فئة من الموالين.
القناع الثالث عشر: أيضاً القمع وسيلة لتركيع الشعب، هذه الأجهزة الأمنية الموجودة مهمتها قمع الناس حتى لا يطالبوا بحقوقهم وإذا كان هدف هذه الأجهزة الأمنية هو الحفاظ على النظام السياسي فأنا أرى أنها تحولت لخلايا سرطانية وانحرفت عن هدفها وأضرت بالنظام السياسي كثيراً وقد تؤدي لثورة تكون تكلفتها عالية على النظام السياسي.
القناع الرابع عشر: استخدام الفوضى، مصطلح الفوضى يستخدم بطريقة أن أي مشروع سياسي سيقدم سيجلب الفوضى إلينا كأن البلد مبنية على قوانين الطوارئ أي مشروع سيأتي سيجلب الفوضى إلينا.
القناع الخامس عشر:استخدام مصطلحات كالأمن والأمان للتلبيس على الناس وإيهامهم أن الدول الأخرى تعيش في فوضى وهذا غير صحيح الدول الأخرى تعيش بأمن وأمان يفوقنا بمراحل ولم تمِن تلك الدول على مواطنيها بالأمن والأمان –(بالمناسبة نحن متهمين وفقاً لصحف النظام السعودي بأننا مزعزعين للأمن و الحمد لله).
القناع السادس عشر: ظروف التدخل السعودي في أفغانستان أتت بعد ثورة الخميني في إيران فواجه النظام السياسي إشكالية في كونه يرعى الخطاب الإسلامي أو الدعوة الإسلامية وأيضاً تطلعات الشعب، فما الذي حدث كان لابد من الدخول في مبادرة طبعاً بجانبها مكاسب سياسية وهو دعم النظام السياسي بأموال طائلة للحرب في أفغانستان قام على إثرها تنظيم القاعدة، النظام السعودي متورط إلى أذنيه في صناعة القاعدة وأيضاً الزج بأبنائنا في الحرب بالوكالة والأشخاص المتورطين في هذا الملف يوماً سيجلبون للعدالة ليلاقوا مصيرهم .
القناع السابع عشر: هو وجود قضايا جانبية لإشغال الناس عن القضايا الكبرى المتعلقة بالإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية في القرارات العليا في الدولة والنظام المستبد ذكي جداً في هذا الشأن فيطرح هذه القضايا الجانبية لأجل تشتيت الانتباه عن القضايا الكلية.
القناع الثامن عشر: اتهام المجتمع بالتشدد الديني، طيب من الذي لقن المجتمع هذا التشدد الديني؟ أليست المؤسسة الدينية الرسمية التي ترعاها الدولة؟ وأصبح وضع اللوم على المجتمع المتشدد يستخدم كشماعة من قبل النظام.
القناع التاسع عشر:ازدواجية الخطاب النظام المستبد ذكي جداً لديه خطاب داخلي وخطاب آخر خارجي، مثال علي أنا مثلاً في خطابهم الداخلي يقولون هذا العلماني هذا ليبرالي وفي الخارج يقولون هؤلاء من أتباع التشدد الديني لكن يتغطون بغطاء الحقوق لكن هذه لا تلبث أن تنكشف لأن حبل الكذب قصير.
النقطة الأخيرة هي كيف استطاعت الدول والشعوب التغلب على هذه الأنظمة المستبدة؟
أولاً: حبل الكذب قصير، مهما بدا النظام المستبد ذكياً في التظليل والتزييف وتغييب الوعي الشعبي فإنه لا يلبث أن ينكشف ويقع في شر أعماله، فجميع هذه الأقنعة تنزع من خلال الوعي الشعبي، هذه ناحية
الناحية الثانية: جميع الشعوب التي نالت حقوقها من خلال النضال السلمي حصلت عليه من خلال طليعة تتقدم وتقود المجتمع بشكل أو بآخر، في جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا ورفاقه قاموا بهذا الدور، في الجنوب الأمريكي مارثن لوثر كينغ ورفاقه قاموا بهذا الدور ونالوا حقوقهم خلال سنوات قليلة.
المسألة واضحة التعامل مع هذه الأقنعة ونزعها هو واجب على كل مثقف وعلى كل واعي وعلى كل مكلف، ليس بالضرورة أن يكون أستاذاً جامعياً كي يشارك في نزع هذه الأقنعة، الجميع مطلوب منه نزع القناع عن هذا الخطاب المتخلف الذي يقود المجتمع للهاوية، وهذه الأقنعة نزعها سهل وقد بدأت تتهاوى مع قرب إرهاصات الربيع العربي.

(٣) حكم المظاهرات والاعتصامات في
الشريعة الإسلامية – الشيخ سليمان الرشودي

يقول الله سبحانه “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون”، ويقول جلّ ذكره “ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا” فالحكم بالتحريم والتحليل لا يجوز إلا بدليل شرعي وبرهان علمي واضح ولابد من التنبيه على أن الأحكام في الشريعة الإسلامية تنقسم لقسمين.. القسم الأول يتعلق بالعبادات والحدود التي شرعها الله ديناً يتعبد عباده بها وفقاً لما شرعه الله في كتابه وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم فهذه أحكامها توقيفية بمعنى أنها لا تجوز إلا بنص شرعي من الكتاب أو السنة، كما ورد في الحديث الصحيح “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” وفي رواية “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد” .
القسم الثاني ما يتعلق بالعادات وشؤون الحياة المدنية، فهذا الأمر الأصل فيه الإباحة وفقاً للقاعدة الأصولية الفقهية التي تقول الأصل في الأشياء الإباحة وموضوعنا في هذه الليلة هو من القسم الثاني قطعاً، وبناءاً على ذلك نقول وبالله التوفيق كثر الكلام في الآونة الأخيرة حول حكم المظاهرات والاعتصامات والمسيرات، فالمظاهرات من حيث اللغة قال في القاموس المحيط .. ظهر ظهوراً تبين وتظاهروا تدابروا وتعاونوا ضداً والظهير المُعين، وفي المعجم الوسيط .. المظاهرة إعلان رأي وإظهار عاطفة في صورة جماعية، فالمظاهرة لغة تجمع بين معنى الظهور ومعنى التعاون وكلاهما محمود ما دام لمقصدٍ محمود كالدعوة لرفع الظلم وإحلال العدل محله، وأما حكمها شرعاً فيه تفصيل يمكن إجماله في عدة محاور أهمها ما يلي:
المحور الأول .. أن المظاهرات والاعتصامات من القسم الثاني أي المباح أي ما أصله الإباحة كما تقدم هو ما يتعلق في العادات وشؤون الحياة المدنية التي أصلها الإباحة بناءاً على القاعدة الأصولية السابقة وهذه القاعدة مبنية على عدة نصوص شرعية عامة وخاصة كما في حديث ابن عباس عند أبي داوود “فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل الحلال وحرم الحرام فما حله فهو الحلال وما حرم فهو الحرام وما سكت عنه فهو عفو” أي باقٍ على البراءة الأصلية، وروى أصحاب السنن و المسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “بعثت بالحنيفية السمحة” وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “يسروا ولا تعسروا وسكنوا وفي رواية وبشروا ولا تنفروا” وفي مسند الإمام أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “إن خير دينكم أيسره” وفي حديث آخر “إن دين الله في يسر” ومصداقاً قوله تعالى “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وما جعل عليكم في الدين من حرج” فهذا أصل ومقصد من مقاصد الشريعة.
المحور الثاني: أن المظاهرات والاعتصامات من الوسائل والقاعدة الفقهية تقول الوسائل لها حكم غايات وما دامت الوسيلة هنا هي المظاهرات السلمية فالمقصود منها هو رفع الظلم وإحقاق الحق والعدل الذي فرضه الله على عباده جميعاً قال تعالى “لقد أرسلنا رسلنا بالبيانات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط” فالرسل كلهم أرسلهم الله بالوحي من السماء ليقيموا القسط والعدل بين الناس في الأرض ,وحب العدل فطرة في الإنسان والله أقرها وشرعها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فريضة من فرائض الإسلام قال تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” فالحديث هنا عن الأمة المؤمنة المسلمة كلها التي هي خير أمة أخرجت للناس قال تعالى “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون” هذا أمر للجميع لا يستثنى منه حاكم أو فرد أو جماعة فالدعوة للمظاهرات السلمية لرفع الظلم والاستبداد وإزالة الفساد وإعطاء الشعب حقوقه وحريته المسلوبة وكرامته المهانة هذا من الدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي شرعه الله فما دامت هذه هي الغاية فأي وسيلة مباحة توصل إليها فهي مشروعة بل واجبة، والمظاهرات السلمية تعبير و وسيلة لهذه الغاية فهي مشروعة لأن الوسائل لها حكم غايات.
المحور الثالث: الأدلة والبراهين على إباحة وجواز المظاهرات
أولاً: أن المظاهرات من العادات وشؤون الحياة المدنية والأصل فيها الإباحة كما تقدم. وليست عبادة لا تشرع إلا بأمر من الكتاب أو السنة الصحيحة. فينظر إلى دواعيه ومقصده فإذا كان الدافع إليه مشروعاً وهو وجود منكر كبير بل منكرات يجب تغييرها كالظلم والاستبداد والفساد هذه منكرات موجودة ظاهرة يجب تغييرها بأي وسيلة مشروعة أو كان الدافع إليه وجود فريضة أو أمر واجب يجب إقامته كالعدل أو قصر في بعضها كالحكم الشوري وفق الكتاب والسنة ونشر التعليم النافع ,وإعداد العدة الكافية للدفاع عن البلاد للحفاظ على السيادة هنا تجب هذه الفريضة بأي وسيلة مشروعة والمظاهرات في هذا العصر هي الوسيلة المتاحة للضغط على صاحب القرار لإسماعه صوت الشعب الذي يجب عليه تلبية طلباته لأنه وكيل على الشعب وليس وصياً عليه ليشارك بالقيام بهذا الواجب، الدليل الثاني قول الله سبحانه في سورة الشورى “ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم” قال ابن كثير أي ليس عليهم جناح في الانتصار على من ظلمهم وقال سيد قطب في الظلال الذي ينتصر بعد ظلمه فليس عليه من جُناح وهو يزاول حقه المشروع فلا يجوز أن يقف في طريقه احد إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس فإن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس ويمنعوه عن ظلمه.
الدليل الثالث : قول الله سبحانه في سورة النساء “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم” هذا يجوز له حتى الجهر بالسوء مع أن المظاهرات جهر بالحق وليس بالسوء، أورد ابن كثير في تفسير الآية عن ابن عباس قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه كما أورد عن ابن عباس كما رواه أبو داوود في سننه والحافظ أبو بكر البزار وغيرهما أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال “إن لي جاراً يؤذيني” فقال النبي :”أخرج متاعك فضعه على الطريق” فأخرج الرجل متاعه وطرحه على الطريق، فكل من مر به قال مالك؟ قال: “جاري يؤذيني فيقول هذا المار اللهم العنه اللهم أخزه” فقال الرجل أي جاره المؤذي “أرجع إلى منزلك والله لا أؤذيك أبداً” فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أراد أن يستعين الرجل بالجمهور ليكونوا عامل ضغط على الجار حتى يكف ظلمه فكيف بالحاكم العام؟!
المحور الرابع: أن النظام الاستبدادي قد أوصد الأبواب الأخرى للإصلاح فلم يقبل الحوار، ولم يقبل النصيحة السرية التي يراها بعض العلماء التابعين له ولم يقبل الخطابات والنصائح الجماعية بدءاً بمذكرة النصيحة قبل عقدين من الزمن وانتهاءً بخطاب الدستور قبل ثمان سنوات، ثم لم ينفذ شيئاً من الإصلاح الجدي بعد مجيء الربيع العربي ومئات بل ألوف الإصلاحيين قد وجهوا النصائح من خلال تويتر والفيسبوك ليقوم بالإصلاح الجدي فلم يستجب بل ازداد الفساد المالي والإداري فلم يبق للشعب من وسيلة لرفع الظلم والاستبداد والفساد سوى المظاهرات والاعتصامات السلمية.
المحور الخامس: أن من يحرم المظاهرات بحجج واهية كدعوى أنه يترتب عليها الفوضى والتخريب والتكسير أو مساندة هذه الطائفة أو تلك فهذه كلها حجج واهية، أما دعوى الفوضى والتخريب التي يدعي أنها تترتب على المظاهرات، فالمظاهرات التي ندعو لها مظاهرات سلمية لا يترتب عليها شيء من ذلك ويمكن حراستها ومراقبتها من قبل الشرطة، لحمايتها من أن يعتدي عليها أحد أو يعتدي بعض أفرادها على أحد، أما دعوى مساندة طوائف أو أحزاب أخرى فهذه دعوى باطلة لأن من يتبنى المظاهرات إنما يناضل لرفع الظلم والاستبداد.
المحور السادس: أن المظاهرات السلمية مظهر من مظاهر حرية التعبير التي هي حق أصيل من حقوق الإنسان
قال تعالى “الرحمن علم القران خلق الإنسان علمه البيان” البيان الذي يميزه عن سائر الحيوان بالقدرة على التعبير، وحرمان الإنسان من حرية التعبير ظلم وإهدار لكرامته، فالإنسان كما ولد حراً يجب أن يعيش حرا وقد قال الفاروق “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” وحرية التعبير هي أساس الدعوة إلى الخير “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير” .
المحور السابع: هل يُشترط إذن الحاكم المسلم للمظاهرات؟ هذا يتوقف على تنفيذ الحاكم لشروط البيعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتحكيم الشريعة وإقامة العدل وأداء الأمانات كالشورى والمساواة بين أفراد الشعب بمن فيهم الحاكم نفسه. قال تعالى”إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” أما أئمة الجور فهم كما سماهم الزمخشري في الكشاف “اللصوص المتغلبة” ,فالمنع من حرية الرأي والتعبير ظلم ومنكر وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما الطاعة في المعروف”
المحور الثامن: أن إنكار المنكرات على الحاكم المستبد والأخذ على يده فريضة تقع مسؤوليتها على الأمة جمعاء
قال تعالى “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه” رواه أبو داوود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة، والحديث الآخر “والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم” يعني بني إسرائيل رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن وهذه مسؤولية الشعب وعلى رأسهم العلماء والمفكرون المطلعون على ظلم الظالم وخطورته على المستقبل والحاضر.
المحور التاسع: أن المظاهرات السلمية أصبحت أسلوباً حضارياً عالمياً شفافاً من أساليب حرية التعبير التي أقرتها الشرائع السماوية والدساتير والقوانين الأرضية وتمارسها جميع الشعوب، وقد سمعت أحد العلماء والدعاة المرموقين يخص بلاد الحرمين بفتوى تحريم المظاهرات دون سائر العالم ,فذهبت إليه وعندما حاورته في هذا وقلت أليس الأصل فيها الإباحة؟ قال بلى، قلت: فلم تخص بلاد الحرمين بذلك؟ حار ولم يجب سوى بقوله أنا مقتنع بما أفتيت به وقد شاورت فيها، فقلت له كما قال الشاعر: أحرامٌ على بلابلها الدوحُ؟ حلالٌ للطير من كل جنس؟

(٤) التعددية بين هدي الراشدين وهدي المستبدين – الدكتور عبدالله الحامد
من المعلوم أن أعظم معوقات أمتنا العربية والإسلامية هو رسوخ البدع السياسية والاجتماعية بخطاب ديني محرف. لذلك صار المنادي بالسنن السياسية النبوية اليوم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه كيف بكم إذا نشأت فيكم بدع وشاب عليها الكبير ونشأ عليها الصغير فإذا غُيرت قيل غُيرت السنة. ولكي لا نزيغ ونحن نعلن أننا على نهج السلف الصالح ووفق القرآن الكريم والسنة النبوية لا بد أن نضع مصباح الكتاب والسنة في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي ومشكاة حقائق علوم الإنسان والطبيعة هذه قاعدة عامة وهي قاعدة أصولية أشار إليها إبن تيمية، و هذه محاولة لضبطها في شق الشريعة المدني. وهناك قاعدة ثانية وهي أن شق الشريعة المدني إنما جاءت فيها النصوص الشرعية للتذكير لا للتأسيس لأنه من مكارم الأخلاق التي عرفتها البشرية منذ القدم. فكيف نفهم القرآن والسنة في ظلال تطبيق الخلفاء الراشدين
أولا سنتحدث عن أهل القبلة ومن هم؟
أهل القبلة :هو مصطلح مأخوذ من قولة صلى الله عليه وسلم ” من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا و عليه ما علينا” رواه البخاري .فظاهر الحديث يدل على أن من أعلن ذلك وفعله من أهل البدع لا يجوز تكفيره ببدعة مخففة أو مغلظة كشخص وإن أمكن تكفير عمله أو قوله وحسابه على الله تعالى .
كيف تعامل الخلفاء الراشدون ومن تبعهم بإحسان مع أهل الأهواء أو الفرق كالشيعة أو الأثنى عشرية والخوارج ونحوهم
كما أشرت عندما تلتبس الدروب يرجع الناس إلى المحطة الأولى لكي لا يضيع المسافرون وكل من حولهم يقول وكلنا ندعي أننا نتبع السلف الصالح فكيف نبرهن على صدق ذلك
ابن القيم له بيتان مفيدان في هذا الجانب :
العلمُ قال الله قال رسولهٌ** قال الصحابةُ هم أولو العرفانِ
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة** بين الرسولِ وبين رأي فلانِ
كلنا يصيح العقيدة… العقيدة كلنا حولها يدندن فمن نصدق ! نصدق مصباح القرآن والسنة في زجاجة التطبيق النبوي والراشدي ومشكاة حقائق علوم الإنسان والطبيعة فإذا وجدنا قول أو موقف لعالم ينسجم مع ما قاله الراشدون اعتبرناه دليلا أن هذا العالم أو الاتجاه سلفي في هذه القضية أو تلك . نأتي لنموذج وقع في عهد علي ابن أبي طالب وهو الخوارج . ما سبب غلو الخوارج كما قال ابن حزم كانوا أعراباً فقرأوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنن الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يكن فيهم احد من الفقهاء , ومن مظاهر غلوهم أنهم يعتبرون أن من خالف القران بعمل أو رأي فأخطأ فإنما هو مرتكب كبيرة ومن ارتكب كبيرة فهو كافر كما ذكر ابن تيمية في فتواه … بناء على هذه المقدمة كفروا عثمان وعلي و أصحاب الجمل والحكمين و من رضي بالتحكيم كما ذكر شيخنا البليهي فيما رواه عن البغدادي في الفرق .
تذكروا كفروا علي وعثمان وكل من رضي بالتحكيم واستحلوا دماء المسلمين ممن خالفهم، فكيف تعامل علي معهم ؟
قال لهم إن لكم عندي ثلاث ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه , ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدأوا كما ذكر ذلك الطبري في تاريخه
قال له أصحابه: أهم منافقون ؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا
قالوا: أكفار؟ : قال: من الكفر فروا .
قالوا: فمن هم؟ قال: أخواننا بغوا علينا .
لقد طبق الخليفة علي المنهج السلفي في التكفير ….والخوارج كما ذكر الإمام احمد أكثر أهل القبلة غلوا فلم يكفرهم رغم أنهم كفروا جل الصحابة . والخوارج لم ينكروا بالكتاب والسنة بل أولوهما وهناك فرق بين من يكفر متأولاً ومن يكفر جحودا . وكل من أول لم يخرج من الإسلام . فلم يقمعهم ولم يمنعهم من حقوقهم المدنية وحقهم في بيت المال و يأتي تطبيق الإمام علي كالشمس قوة وإضاءة للاعتبارات التالية
1- عيانا بيانا كفروا علي و شتموه و حصبوه وهو على المنبر وانه اعترف بحقهم في المعارضة وهو في حالة صراع و نزاع يضعف جانب الإنصاف .
2- انه قد وردت أحاديث صحيحة أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية كما في الحديث الذي أخرجه مالك والبخاري وقول علي فيهم يدل على أن كفرهم كفر اصغر وليس اكبر يخرج من الملة
3- أن علي ثاني الأربعة الكبار من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس الذين برزوا في الفقه العام والفقه القانوني .
4- أن علي رضي الله عنه كان حاكم الدولة الذي يدرك العلاقة بين النص و التطبيق ولم يكن مجرد فقيه يفتي دون مراعاة السياسة الشرعية .
5 انه أطول الخلفاء الراشدين خبرة عملية فقد عاش مع الخلفاء تحت ظلال الوحي وتطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مستشارا للخلفاء الثلاثة من قبله وقد اعتمد على فعل علي الفقهاء فقد قال ابن تيمية في الرسائل لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة وقال ابن تيمية والخوارج المارقون لم يكفرهم علي ابن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة بل عدوهم مسلمين ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام فقاتلهم لرد بغيهم وظلمهم وليس لأنهم كفار ,وبمثل ذلك قال ابن قدامه في المغني : الخوارج يكفرون بالذنوب ويكفرون علي وعثمان وطلحة والزبير وكثير من الصحابة ويستحلون دماء المسلمين و أموالهم فظاهر قول الفقهاء من المتأخرين أنهم بغاة وحكمهم حكم البغاة وهذا قول أبو حنيفة والشافعي وكثير من أهل الحديث وقال ابن تيميه أيضاً وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع الله ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم أحق في المسائل التي غلطوا فيها
فلا يحل لأحد هذه الطوائف أن تكفر أخرى أيضاً .
وتقفى عمر بن عبد العزيز أثار الخلفاء الراشدين وله أقوال وأفعال تدل على انه حاكم شوري وانه ينبثق من هدي الإسلام في العدل والإنصاف والتسامح وقد غير عمر بن عبدالعزيز سياسية بني أمية القمعية فجنح إلى المسامحة وكان يرى أنها كفيلة بحل المشكلات وتوحيد الكلمة وحاور الخوارج ونجح في إقناع رسلهم لولا أن المنية عاجلته وكانوا بنو أمية يسبون عليا في خطب الجمعة على المنابر فلما تولى عمر بن عبدالعزيز منع السب وكتب إلى نوابه بإبطاله وقرأ مكانه إن الله يأمر بالعدل والإحسان كما ذكر السيوطي في تاريخه ولذلك امتدحه كثير عزة بقوله :
وليت فلم تشتم علياً ولم تخف برياً …ولم تتبع مقالة مجرم
تكلمت بالحق المبين وإنما … تبين آيات الهدى بالتكلم
فقال له عمر أفلحنا إذا, وامتدحه الشريف الرضي بعد ذلك بقصيدة كافية .
المحدثون والفقهاء طبقوا مقياس علي في مسألة عدم تكفير أهل القبلة , فقد رووا أحاديث كثيرة عن عشرات من طوائف مبتدعة ولم يدر في ذهنهم شك في أمانتهم فضلا عن إسلامهم ولو كان في نفوسهم أدنى هاجس لأخذوا بالأحوط وهو ترك الرواية عن المبتدعة بل اعتبروا البدعة مسألة اجتهاد في رأي لا تقدح في العدالة ولو رأوها فسق في الدين كما فسق بها آخرون لكرموا حديث رسول الله أن يكون في سند روايته احد الفساق فقد روى البخاري عن عباد بن يعقوب الرواجني هو كما قال ابن حجر رافضي مشهور قال ابن حبان عنه كان رافضي داعية وقال عنه صالح بن محمد كان يشتم عثمان رضي الله عنه كما ذكر ابن حجر في مقدمة فتح الباري في الفصل التاسع وروى البخاري عن عمران بن حطان احد زعماء الخوارج وخطبائهم المشهورين وكان عمران كما قال ابن حجر داعية إلى مذهبه وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بتلك الأبيات الشنيعة السائرة . وروى مسلم والبخاري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحوماني وكان من دعاة المرجئة وهكذا روى المحدثون عن أهل البدع بل من دعاتهم وكبارهم ومن يريد التأكد فسيجده في مقدمة كتاب فتح الباري ممن روى عنهم البخاري صاحب اصح كتاب بعد القران
وكذلك الإمام احمد بن حنبل وغيرهم رووا عن أهل البدع من اجل ذلك ذكر ابن تيمية أن السلف وأئمة الفتوى كابي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي كانوا لا يأثمون مجتهدا إذا أخطأ في احد المسائل الأصولية أو الفرعية فضلا على أن يفسق أو يُكفر ونسب ذلك لابن حزم أيضاً وأضاف ابن تيمية معللا ذلك بان ابن حنيفة و الشافعي وغيرهما كانوا يصححون الصلاة خلف أهل الأهواء ويقبلون شهاداتهم إلا الخطابية وهي فرقة شيعية لأنها تستبيح شهادة الزور لموافقيها على مخالفيها وأضاف ابن تيمية فقال هذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنهم لا يكفرون ولا يفسقون احد من المجتهدين وأضاف أنهم قالوا الفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من قول أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه ويقصد بذلك أقوام من أهل السنة والجماعة وعلل ذلك بأنهم لم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره كما ذكر الحليبي في كتاب له عن المبتدعة ناقلا عن منهاج السنة .
علل ابن تيمية عدم تأثيم المجتهد إذا اخطأ في مسالة أصولية أو فرعية بقوله ليس كل من اجتهد يتمكن من معرفة الحق ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورا به أو فعل محظورا وأضاف وهذا قول الفقهاء وهو المعروف عن سلف الأمة ونقل ذلك أيضاً عن الجويني في برهانه وقال لي احد الفقهاء أن نسبة القول بأن الرافضة أو الشيعة اكفر من اليهود والنصارى لابن تيمية لم تثبت. ألم يثبت عن ابن تيميه انه قال عن احد الفرق الإسلامية مثل هذا القول وأضاف بل ولا مفرهم ابن القيم وسألته فقلت كيف ولابن القيم أبيات ظاهرها تكفيرهم قال اختلطت نونية ابن القيم بنونية ابن القحطاني وذكر ابن تيمية أن ما نسب إلى الأئمة في التكفير في اغلبه لا يقصد به الكفر الأكبر المخرج من الملة إنما هو ما كما قال عنه الخطابي إن تكفير أهل السنة لهم جاء على سبيل التغليظ أي أخذاً بالقاعدة الأصولية ان هناك من النصوص الشرعية ما يسمى أحاديث الترهيب والترغيب أنها لا تُأخذ على ظاهرها وإنما هي زجر عن المحظور أو حث على المحمود فلو اعتبر المحدثون البدعة مفسقة أو مخلة بالعدالة لما جالسوا المبتدعة ورووا عنهم أحاديث الرسول صلى الله ولا قالوا مع من قال آكل مع يهودي أو نصراني ولا آكل مع مبتدع. قال الغزالي رحمه الله في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة أصول “أصول الإيمان ثلاثة ، الإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع واعلم أنه لا تكفير في الفروع” ويقول إبن حزم “لا يكفر أو يفسق مسلم بقول قاله باعتقاد أو فتيى وكل من اجتهد في شئ من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فأجر واحد” وقوى ابن حزم هذا القول بنسبته لعدد من الفقهاء فقال هذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وابن سفيان الثوري رضي الله عنهم أجمعين. بل إنه لمن الخطأ الكبير نكران ما للفرق التي نعدها مبتدعة كالمعتزلة والشيعة الإمامية من فضل وجهاد فحتى الإمام ابن تيمية الذي عاش في صراع مع الشيعة الإمامية والجهمية إعترف بما لهم من فضل فقال “ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية إلى بلادالكفار فأسلم على يديهم خلق كثير وانتفعوا بذلك” هذه المواقف بلورة للمنهج السلفي لأنها تتسق مع القاعدة فإن وجدنا أو فهمنا تفصيلات أو تطبيقات خلاف هذه القاعدة فليست هي الأصل ويقول محمد بن عبدالوهاب “لا نكفر إلا من أجمع العلماء على تكفيره” فإن خالف هو أو غيره قاعدته في تطبيق أو تفصيل لم نحتج بهذا التطبيق أو التفصيل لأنه اجتهاد من قبيل الرأي والرأي محتاج إلى دليل يحتج به من أجل ذلك يجب أن نختارإما الفقه الشائع في العصر العباسي في تجريم البدعة وقتلها وقمع دعاتها وإما سنن الخلفاء الراشدين ومن نهج نهجهم كعمر بن عبدالعزيز وأحمد بن حنبل والمحدثين في مسألة حرية الرأي والتعبير والتعددية والتسامح .
أما قبول فكرتين متعارضتين واعتبار كل منهما سنة فتلك بلبلة فكرية ويجب وضع النقاط على الحروف من اجل جلاء المعيار الشرعي الذي يحتكم إليه عند الاختلاف لأن كثير منا يخلط بين مستويين من الشريعة الرأي البشري وهو معرض للخطأ والصواب ولذلك يكون فيه الخلاف ولا يجب الالتزام به أما الوحي الإلهي أو التبليغ النبوي فهو حق مطلق يجب الالتزام به ، وكثير من المحافظين اليوم أو المنكمشين على الصياغة العباسية يقرؤون الأفكار العباسية معزولة عن السياق اللغوي أو الاجتماعي فيقعون في مزالق توليد نص جديد يقتنص من نص قديم عبر التأويل الفاسد او البعيد أو التحريف أو الاستنساخ أو التجيير والتوظيف ثم يعتبرون رأيهم سلفيا بذلك تنضبط الاستشهادات وتفسيرات الكتاب والسنة بمحور محكمات الشريعة بزجاجة تطبيق الراشدين. إذاً التعددية أصل شرعي لكي لا يظن القمعيون أنهم سلفيون أكثر من الراشدين.
لنفترض أن تكفيرالغلاة لبعض أهل القبلة صحيح أليس التسامح والتعددية أصل من أصول الإسلام؟ سيحتجون علينا بحديث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ،في البداية نشير إلى أن هذا الحديث صحيح قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت قبل وفاته بخمس وروى الحديث البخاري ومسلم وقد جاءت عدة أحاديث شاهدة عليه تدل على المعنى نفسه منها “أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما” أخرجه مسلم وفي حديث “أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد” رواه أحمد وصححه الألباني، والمراد بجزيرة العرب في هذه الأحاديث الجزيرة العربية كلها التي يحيط بها البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي وتنتهي شمالاً إلى أطراف الشام والعراق وهنا نشير إلى قاعدة المصباح في زجاجة لأنه لا يفهم الكتاب والسنة إلا بالتطبيق النبوي والراشدي لأن كون القرآن الكريم نصاً مطلقاً يفهمه كل إنسان كما يشاء كما فهمه الخوارج هذا يوقع بالبلبلة ويصبح القرآن حمّال اوجه لذلك يجب أن يوضع النص في التطبيق النبوي والراشدي ليتضح معناه وهنا قاعدة أصولية وهي أنه لا يجوز إغفال النص عن مناسبته بالنظر إلى منطوقه فقط كما ظن بعض الأصوليين، لابد أن يربط في سياقه حتى لا نضل كما ضل شباب جهادي أباحوا قتل غير المسلمين في جزيرة العرب محتجين بمثل هذا الحديث وفوقها قد يحتجون به لقتل فرق إسلامية يكفرونها .
من هو أولى الناس بتطبيق هذا الحديث؟ المعاصرون أم الرعيل الأول من الراشدون؟ الجيل الذي سمع هذا الحديث وفقهه عن الرسول صلى الله عليه وسلم كيف فهمه؟ فهمه وهنا يقول المثل أعطي القوس باريها وقد وجدت في الانترنت شرح نفيس لعبدالوهاب الطريري لهذا الحديث قال: “تولى ابو بكر الخلافة واليهود في خيبر على مسافة ١٨٠كلم من المدينة ونصارى نجران في نجران ويهود اليمن في اليمن ومجوس الأحساء في الأحساء وهو رضي الله عنه أعظم الناس تعظيماً لامر النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يفهمه بظاهره فيبدأ بتنفيذه بل فعل أموراً غيرها فسير جيش أسامة للشام وقاتل المرتدين ثم وجه الجيوش للعراق والشام وتوفي أبو بكر رضي الله عنه وجيوشه تقارع الفرس والروم والمشركون في جزيرة العرب ماكثون لم يتحدث أحد عن اخراجهم وتولى عمر فتركهم وسير الجيوش لفارس والشام ومصر وقبرص فكانت جيوش الخلافة تقاتل في قارتي آسيا وأفريقيا ولم يُخرج المشركين من جزيرة العرب ولم يُخرج عمر نصارى نجران إلا بعد أن تركوا شرط الصلح وهو ترك التعامل بالربا ولم يخرج يهود خيبر الا بعد نقض العهد والتعدي على أحد المسلمين وهو عبدالله بن عمر وبقي يهود اليمن إلى اليوم ويهود الاحساء بقوا حتى اسلموا واندمجوا مع المسلمين، أنظر للمزيد من ذلك كتاب احكام اهل الذمة لابن القيم. وقد فهموا أن النهي ليس لوجود اليهود والنصارى في جزيرة العرب بل ظهورهم وقوتهم وغلبتهم على المسلمين وقد قتل عمر على يد علج مجوسي لأنهم كانوا يسمحون بوجود الرقيق من غير المسلمين ولم ينقل أن أحد من احاد المسلمين تجرأ على يهودي أو نصراني بحجة أنه يجب اخراجه من جزيرة العرب، والرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال “اخرجوا المشركين من جزيرة العرب” هو الذي قال “من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما”ولم يثر أحد هذه المسألة حتى فقهاء السعودية كمحمد بن ابراهيم وعبدالرحمن بن سعدي وعبدالله بن حميد وعبدالرحمن الدوسري رحمنا الله واياهم” انتهى النص المقتبس. وقد قال الامام احمد المقصود بجزيرة العرب المدينة وما والاها والشافعي قال يمنعون من الحجاز والحرم منه. ولا يجوز السماح لاصحاب الاقامة المؤقتة كالعمالة بإقامة دور للعبادة، هذه هي التعددية شرط لتآلف المجتمع فكرياً وثقافياً واجتماعياً وهذا مقتضى قوله تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” فمن وأد التعددية فقدوته الحجاج والخوارج لا السلف الصالح ولم يحكم بما أنزل الله، وإذا استقرت قاعدة الحرية وقاعدة التعددية فقد وصلنا إلى رسوخ الشورية وحققنا ما حققه السلف الصالح الموصوفون بقوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم”

(٥) اعتصامات بريدة والحراك السلمي – الدكتور محمد القحطاني والدكتور محمد العبدالكريم
د. محمد القحطاني
ما حدث في بريدة من التعدي والاعتقال لأقارب المعتقلين السياسيين خصوصاً النساء وما حدث للمتعاطفين معهم ممن قدموا لهم المساعدة والطعام واعتقالهم يُعد تصعيد خطير، وزعمت شرطة القصيم في البيان الذي أصدرته أن في اعتصامهم مخالفات نظامية وهي أنهم لم يحصلوا على تصريح نظامي. وهل يوجد تصريح نظامي للإعتصامات؟! وهل هي مقبولة ابتداءً وقضية إجرائية أم ممنوعة؟! ومن هي الجهة المسؤولة والمخولة لإصدار تصاريح الإعتصامات ؟!
هناك خلل كبير واضطراب في اتخاذ القرار ,فأهالي المعتقلين رجالاً ونساء بذلوا جميع الطرق السلمية في المطالبة بإنهاء مأساة أقاربهم الذين مكثوا عشرات السنين في السجون دون أي ضوابط قانونية ,وكثير منهم لم تصدر ضده أي لائحة اتهام ، ولا حكم قضائي ،ومنهم من صدر لهم إفراج عدة مرات وترفض وزارة الداخلية الإفراج عنهم ، وهذه مخالفات صريحة للأنظمة السارية ، كالنظام الأساسي للحكم ونظام الإجراءات الجزائية .
وقد استنفذ الأهالي كافة السبل القانونية في الإفراج عن ذويهم :
١/ رفعوا دعاوى قضائية لدى ديوان المظالم ، وهناك حالات حكم ديوان المظالم بالإفراج فيها , ورفضت أيضاً وزارة الداخلية الإفراج ، ولدينا حالات وصكوك مثبتة في الجمعية ,فأصبحت الشكاوى التي ترفع لدى ديوان المظالم ترسل لوزارة الداخلية لا ينظرها الديوان .
٢/عندما توجه الأهالي لوزارة الداخلية تنفيذاً لسياسة الأبواب المفتوحة تم اعتقالهم ! فأصبح هناك عدة أفراد معتقلين من نفس الأسرة .
٣/ عندما توجهوا لهيئة وجمعية حقوق الإنسان تم الاعتداء عليهم بالضرب والاعتقال ,ورئيس هيئة التحقيق والادعاء العام يرفض استلام بلاغات الاعتقال التعسفي والتعذيب والمعاملة القاسية ( وهي من واجباته) وهذا موجود في تعليمات الإجراءات الجزائية ونظام الهيئة نفسها .
هنا وصل أهالي المعتقلين إلى طريق مسدود ولم يعد لديهم خيار سوى النزول إلى الشارع والمشاركة في الإعتصامات والمظاهرات السلمية أمام الهيئات العدلية والحقوقية , وعلى الرغم من إعلان الأهالي سلمية حراكهم أتت ردة فعل الأجهزة الأمنية عنيفة ,حيث لجأت إلى استخدام القوة المفرطة ضد المعتصمين والمعتصمات واعتدت عليهم بالضرب المبرح و الاعتقال تحت مبرر أنهم يشاركون في نشاطات غير مصرح لها .
فهل يعني ذلك أن المظاهرات مقبولة من حيث المبدأ ؟ وكيف يمكن الحصول على تصريح لمظاهرة سلمية في بلد كالسعودية !؟
ومن هي الجهة المخولة لمنح هذا التصريح ؟
وما هذه التصرفات إلا نتيجة مباشرة لغياب سلطة القانون وتهميش الشعب وحرمانه من حقوقه .
والأمر المستغرب هو هجوم الصحافة الحكومية والتي شنت هجوم غير مبرر على حراك سلمي يقوم به أناس سلميين يطالبون بحقوقهم المشروعة ، فاتهمتهم ( بتأليب الرأي العام ) أين هذه الصحافة من الجهة التي خرقت القوانين وارتكبت جرائم وبشائع ضد المعتقلين !
وكثير من الإعلاميين الحكوميين استخدم لغة العنف ” أن هذه التجمعات ستؤول للعنف ” , كيف وصلوا لهذه النتيجة ؟!!
وأن المعتصمين متعاطفون مع الفئة الضالة, وأن هناك من يستغل النساء والأطفال ,هؤلاء المعتصمين لديهم مظالم ,وهذه تهم معلبة , وليست بأمر مستغرب، شاهدناها في اللوائح التي تصدرها هيئة التحقيق والإدعاء العام واضحة ، بل أن بعض وسائل الإعلام استخدمت لغة تحريضية عجيبة مثل (تطهير بريدة) .. تطهيرها من ماذا؟ أشخاص سلميين جاؤوا للمطالبة بحقوقهم .. !
هناك رسائل ثلاث إلى ثلاث جهات:
١- وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية التابعة لها وخصوصاً هيئة التحقيق والإدعاء العام بتحميلهم كامل المسؤولية في التصعيد مع ذوي المعتقلين ، لأنها أغلقت كافة المنافذ القانونية والعدلية في هذا البلد ، وهي التي أدت إلى هذه النتيجة .ومسئولة عن التصعيد ضد النساء والأطفال المعتقلين فوزارة الداخلية تسعى سعي حثيث إلى جر البلد إلى كارثة غير مبررة وإلى نفق مظلم من خلال تأزيم علاقة الشعب بالحكومة ، فاللجوء إلى الحل الأمني والقبضة الحديدية غير مجد ، نحن الآن في وضع مختلف ولا يعتبر حل بل سيترتب عليه عواقب وخيمة لاسيما أن الناس قد تجاوزوا الترهيب والتخويف ، فلم تعد سياسة نافعة في إخضاع الناس .
وأنتهز هذه الفرصة لأقول لوزير الداخلية ( والله إننا لا نخاف إلا الله .. فلا نخاف أي من البشر مهما قويت شوكته .. فوالله لا تخيفنا سجونك ولا جنودك ولا ملاحقاتك وتهديدك لنا .. ولا عاصم اليوم من الغضب الشعبي القادم إلا حصول الشعب على كافة حقوقه ).
٢- رسالتي الثانية إلى أهالي المعتقلين ,فأقول أنكم بذلتم كافة جهودكم القانونية في الإفراج عن ذويكم المعتقلين وتم دفعكم إلى الحراك السلمي بالنزول إلى الشارع ، ولكن عليكم التأكيد على الالتزام بالمنهج السلمي وأن لا يتم استفزازكم من قبل وزارة الداخلية إلى رفع شعار العنف ، فنبذ العنف هو الوسيلة المضمونة لنيل حقوقكم ، وحان الوقت للانخراط في عمل (سلمي حقوقي منظم) لأنها إلى الآن تعتبر مبادرات فردية، فقد حان الوقت لتأسيس جمعية حقوقية للدفاع عن حقوق المعتقلين ، وتنظيم نشاطاتهم ، وأن يكون لها مجلس ادارة ، وأي شخص لديه معتقل يصبح عضو في هذه الجمعية. علينا أن نرتقي لعمل سلمي حقوقي منظم ، فالعمل الجماعي أجدر بالنجاح من المبادرات الفردية .٣- الرسالة الثالثة لنشطاء حقوق الإنسان والمثقفين والمهتمين بالشأن العام ,لقد تعمد البعض في اليومين الماضيين إلقاء اللوم على الضحية ، فقالوا : لا يجوز للنساء أن يخرجن من بيوتهن ويعتصمن في الطرقات دون تساؤل عن الأسباب التي أدت إلى اعتصامهن وخروجهن ومبيتهن في الشارع .
أليس السبب في ذلك هو تعنت وزارة الداخلية في حل ملف المعتقلين؟ لذا فهناك واجب على نشطاء حقوق الإنسان والمهتمين بالشأن العام والمثقفين في رفع الظلم عن المعتقلين وذويهم ، فهذه الكارثة الإنسانية هي وصمة عار في جبين المجتمع ، التاريخ لن يرحمنا ، ستبقى معنا حتى الأجيال القادمة ، وستبقى هذه الحقبة المظلمة نقطة سوداء في تاريخ أمتنا.
ولن تبرأوا من هذا العار إلا عندما تمدوا يد العون لأسر المعتقلين وتشاركوهم نضالهم السلمي لأجل إنهاء معاناتهم. نحن الآن نمر بمنعطف تاريخي خطير ومهم فيما يتعلق بحقوق الإنسان والانتهاكات التي تحدث في هذا البلد .

د. محمد العبد الكريم
(النهاية المرتقبة لملف المعتقلين .. وقراءة في تطورات اعتصام بريدة والمستقبل)

إن ملف المعتقلين شغل الساحة السعودية مُنذ سنتين ,و كافة التيارات داخل المجتمع ضغطت على وزارة الداخلية لحل الملف نهائياً ولم تنجح ، وبقيت أعداد كبيرة داخل السجون ،ومعها لم تنجح السياسات الداخلية في بلورة خطاب عقلاني لإيجاد مسوغات كافية لحسم الملف .
وظهر لنا على السطح خطاب إعلامي أمني قام بجهود حثيثة نمثله فيما يلي :
١/ تبرير سياسيات الحل الأمني في إبقاء عدد من المعتقلين داخل المعتقلات من خلال ترسيخ فكرة خطر إخراج الفئة الضالة على الأمن الداخلي والخارجي ، ويبدو أن هذه الفكرة هي للانسجام والتوافق مع سياسيات المكافحة الدولية للإرهاب ، وأصبح الخيار الراجح هو البقاء في السجون لحفظ الأمن ,و ترديد تجربة الداخلية في إخراج بعض المعتقلين وهروب بعضهم لليمن وعودة البعض منهم لأفكاره السابقة .
إذاً حاول الإعلام الأمني بشكل يومي تكرار أن من في داخل السجون أما مفجر ، أو ممول ، أو مكفر ، أو ينوي بعد خروجه مواصلة مشروع القاعدة ، فعليه لا يستحق المطالبة بالإفراج عنه ولا يحق لأحد الاعتراض على طريقة محاكمتهم أو المطالبة بحقوقهم وكل من طالب بحقوقهم فهو أما مغرر به، أو مغرض، أو يريد التكسب من ملف المعتقلين، أو يريد تحقيق غايات أخرى، وعليه فيحق للداخلية ملاحقة وسجن ومحاكمة كل من يحاول تحريك هذا الملف بدعوى تأليب الرأي العام ضد السياسات الداخلية في الحل الأمني وبدعوى تأييد أفكار القاعدة وبدعوى تحقيق المشروع الصفوي الإيراني الإخواني الصهيوني الرافضي وبدعوى إثارة فوضى وأن هناك ثورة ستقوم في المملكة وهذا كله يُسمى الدعاية السوداء.
أيضاً الأعلام الأمني أعتمد على فزاعة ثلاثية وهي :
١/ الخطر الخارجي 2/ الخطر القاعدي 3/ الخطر الإخواني
اعتمدت خطة النظام الأمني في صرف الأنظار عن الإصلاح عموماً وحسم ملف المعتقلين على هذه الثلاثية ,وأنتشر بشكل كبير نشر الفتاوى والمقاطع وإغراق الهاشتاقات بالمعرفات الوهمية والدعاية السوداء لصرف الأنظار عن المطالبات الحقوقية بشكل عام والمطالبات بإنهاء ملف المعتقلين .
نطرح سؤال .. هل نجحت سياسة القمع وسياسة النظام الأمني في صرف الأنظار عن القضايا الحقوقية وعن الإصلاح السياسي وغلق ملف المعتقلين !؟ أم أن كل هذه السياسيات أتت بالعكس ؟
الجواب بكل تأكيد .. لم تنجح ولن تنجح ,والنتيجة رأينا الدعم الشعبي الهائل لنشاط أهالي المعتقلين تمثل ذلك في عدة صور منها مشاركة أكثر من ربع مليون في هاشتاق (#اعتصام_بريدة) من أطياف مختلفة وقد تكون هذه الأطياف ضد بعض ، وهذا له دلالات عميقة ، وكلها تشترك حول مطلب مشترك وهو مطلب تحقيق الأنظمة حول ملف المعتقلين .
أما أسباب فشل القمع الأمني هناك سببين :
١/ عفوية الربيع العربي في تشكيل ثقافة حقوقية بامتياز ،أضافت هذه الثقافة الحقوقية أدوات المطالبة السلمية وشكلت معها ثقافة الإصرار والتحدي والصمود والثبات.
فيستحيل على الجهاز الإعلامي التقليدي وعلى سياسات القمع مهما أوتيت من قوة أن تدعي أن الثقافة الحقوقية التي تشكلت بأدواتها كانت من نسج فلان أو تيار أو حزب بل تشارك العالم بأسره في تثقيف المجتمعات في حقوقها السياسة والنظامية ، وهذه الثقافة الحقوقية التي تشكلت تكاد أن يكون لها الدور الهام في التمييز بين الحقوق والأفكار .
فالناس الذين يتعاطفون مع أهالي المعتقلين هم حقوقيون يدافعون عن حق المتهم ,وفي ذات الوقت يناهضون أي فكر متشدد لكن الأعلام الأمني لازال يرى أن هناك إماماً داخل سرداب يقود حركة الوعي المتنامية وسوف يحقق آماله بعد حين.
2/ معجزة التواصل الاجتماعي كأهم عامل أساسي في إفشال كل الخطط الإعلامية الأمنية وفضح القمع الأمني والتجاوزات النظامية . مثلاً نشر عصام الزامل على حسابه الشخصي آخر استطلاع أجراه على خلفية أحداث بريدة، قال : أن نسبة تأييد المعتقلات ٨٥٪ , فيما لا تتجاوز نسبة الثقة في تغطيات الإعلام الرسمي ٤٪ .. وهو مؤشر له دلالات واضحة .
مواقع التواصل الاجتماعي هي الجهاز التنفيذي لثقافة الحقوق التي شكلتها مواد الربيع العربي ، أصبح كل مواطن يستطيع أن يتلقى كل الأفكار والثقافة الحقوقية بضغطة زر دون الحاجة لشيخ أو رمز أو تيار يتأثر به .
أصبحت صورة طفل يصورها طفل وينشرها طفل على مواقع التواصل الاجتماعي تجند المئات من المتعاطفين لصالح أية قضية ويشاهده مليون مشاهد أو أكثر ، البوعزيزي كان المحرك الأول للثورات وهو لم تكن له أجندة لكنه فعل ما لم تفعله كل التيارات والأحزاب مجتمعة ، ولذلك أؤكد بأن كل أجهزة الأعلام الرسمي مجتمعة لن تقنع الناس بالعودة إلى المطالبات الحقوقية بالطرق الكلاسيكية القديمة ، مهما أوتيت من قوة أقناع .
هناك معادلة جديدة يجب أن تستوعبها الدول جميعاً وهي معادلة صحوة الشعوب العفوية التي لا فضل فيها لأحد وهذه الحقوق ليست فقط طعام أو شراب ولكنها حقوق الكرامة ، مواقع التواصل هي صدى لكل الحراك العفوي ، والرموز والتيارات لو اختفت جميعها عن الساحة لن تختفي حركة الشعوب المطالبة بحرياتها وحقوقها ,والتي ولدت من خلال تيسر الأدوات الجديدة ، هذه الأدوات سوف تحل كتلاً صلبة محل الهياكل التقليدية القديمة ولن تبقى هذه التيارات أو الأسماء أو المسميات الموجودة ستصبح كآثار وذكريات لكن هذه التغيرات الواقعية الجديدة سوف تخلق الكتل نفسها بنفسها ، أصبح من السخافة أن ينسب كل ما يدور على الساحة إلى رمز أو تيار فهذا من الماضي القديم ، إذاً على كل الأجهزة الأمنية بالعالم العربي أن تدرك أن أثر الرموز والحركات والتيارات قد يكون في صالح الحكومات أكثر من صالح الشعوب .
الذين اعتصموا أو تجمعوا أو تظاهروا لم ينتظروا فتوى أو شيخ بل كانت الفتاوى تزرع عند كل باب وتنهى عن التجمعات وترهب بكسر الجماجم لكن هذه التجمعات لم تأبه بأحد ، هي نتائج عفوية لتشكل الحقوقي الجديد والذي أوجد سبيلاً للمحرومين وللنساء اللاتي يكافحن اليأس والإحباط خلف الجدران وشكلت هذه الثقافة الحقوقية عقلاً جمعياً، ولو كن تلك النساء ينتظرن شيخاً أو رمزاً أو أحداً لجلسن في بيوتهن حتى يتوفاهن الموت ، هذه الجموع لم تحتاج إلى محرض. لقد انتهى زمن التحريض وزمن الشيخ وزمن الموجه وزمن الثقافة التي تتشكل عمودياً من الرأس إلى القاع ,ولكن عقل الإعلام الأمني لديه لوثات فاشية تعتقد بالوهم الخادع أن الزمن هو الزمن وأن بضعة فتاوى وبرامج باهتة يمكن أن تقف أمام سيل الوعي الحقوقي والإصلاحي .
هذه المواقع سهلت كذلك مشاركة أبناء المملكة في كل الأحداث السياسية فلا غرابة أن يشاركوا في قضايا المعتقلين فهم الأقربون والأقربون أولى بالمعروف.الشباب السعودي عموماً لم يدع حدثاً أو مسيرة أو تظاهرة إلا وشارك فيها بامتياز في الخارج مشاركة معنوية وكتابية في كل ما يدور حولنا في العالم العربي والإسلامي من مختلف الأعمار والفئات والتيارات.
وهذا يثبت أن الإعلام الأمني يعيش في عالم أخر لا يدرك ما بلغت تلك الثقافة، فلا يزال يعتقد أن ثقافة المنع والقمع والملاحقة يمكن أن تسكت الناس ، ولذلك يستحيل على أجهزة الأمن والإعلام الأمني الاستمرار في سياسة نشر الفتاوى وسياسة نشر الدعاوى السوداء والفزاعات القديمة لإرجاع الناس للمربع الأول ، مربع الإعلام الرسمي التقليدي الذي يصيغ الحدث بحسب الروايات الرسمية ومهما حاولت الآلة الإعلامية الرسمية إعادة رسم الصورة النمطية فلن تنجح وعلى افتراض أنها نجحت في تخويف الناس من مناصرة أهالي المعتقلين لأن ذويهم قاعدة، فبما تفسر تجمعات الطلاب والموظفين والنساء في الشوارع للتظاهر ؟!
هل يقود هذا الحراك شيخ أو رمز أو تيار أم أن الوعي الحقوقي بأدواته السلمية قد أصبح واقعاً بسبب تغير الواقع ، ولذلك فشل الإعلام التقليدي والنظام الأمني يحتاج من العقلاء في الوطن و المسؤولين المتعقلين التوقف وإعادة النظر في الوضع والتعقل والمسارعة في الإصلاحات في كافة الملفات الحقوقية وعلى رأسها ملف المعتقلين السياسيين وتغيير أدوات الدولة التقليدية كسياسة الباب المفتوح أو المناصحة السرية وهي سياسة غير ناجحة !
سوف ينتظم الناس في تشكيلات حقوقية تعبر عن مطالبهم,ودور الدولة اليوم هو فتح الباب وتسهيل المهمة في اختيار من يريدون ومن يمثلهم في هذه الجمعيات الحقوقية .
و الملفات الحقوقية الأخرى ليست بأقل من ملف المعتقلين ,ولذلك من المهم أن تسهل الدولة تشكيلات المجتمع المدني ليعبر الناس عن مطالبهم بالطرق السلمية فهي البديل عن الطرق التقليدية التي مازالت الدولة تعتقد أنها الطريق الوحيد لعلاقتها بالناس .

-نصيحة لذوي المعتقلين من الدكتور محمد القحطاني بتوثيق الانتهاكات التي وقعت لأبنائهم وأقاربهم وهي خطوة مهمة لكي لا يفلت منتهكو حقوق الإنسان من المحاكمة والمحاسبة لأن هذا الملف سيكون له انعكاسات. هذا التوثيق بأهمية الحراك السلمي لأن التوثيق سيكون وثائق تقبل بالمحاكم عندما تحصل محاكمات لهؤلاء الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد أبناء شعبنا .

(٦) هلموا إلى الجهاد السلمي بدلاً من العسكري – الدكتور عبدالله الحامد
لقد ارتبط في ثقافتنا الإسلامية والعربية الجهاد بحمل السلاح وارتبط أيضاً بالدفاع ضد غازٍ من الخارج .. وانتبه الغرب إلى قضية التغيير السلمي حيث أن أكثر من مئة دولة خلال خمسين عاماً الماضية انتقلت من الحكم الدكتاتوري إلى الديمقراطية عبر وسائل سلمية .. في هذا البلد لا زالت ثقافتنا صحراوية ولازال الإيمان بالسيف علاجاً للأمور أمر قائم .. ومن اجل هذا فأنه عندما بدأ دعاة الإصلاح السلمي بعد حرب الخليج وضربتهم الدولة ضربة قوية قاضية انقسم الناس ثلاث فئات
١/ فئة كمنت وسكتت في بيات شتوي .
٢/ وفئة ذهبت إلى الخارج ونادت بإسقاط الدولة عبر العمل السلمي .
٣/ وفئة حملت السلاح .
في ظني أن الذين حملوا السلاح والذين نادوا بإسقاط الدولة أخطأوا خطأً كبيراً في فهم طبيعة التغيير السياسي في الأمم والشعوب .

لنبدأ الحكاية من أولها لكي نقول لهؤلا الشباب الذين يبحثون عن الجهاد والاستشهاد خارج الجزيرة هلموا إلى الجهاد السلمي لإقامة الحكم الشوري داخل الجزيرة .. فهو أولى ألف مرة من الجهاد العسكري خارجها. من المعلوم أن ثقافتنا أو بالأخص الثقافة الرسمية الدينية في المملكة ثقافة قمعية وثقافة توالي الحاكم أياً كان من خلال مبدأ الاستسلام أو الصبر على النظام الجائر .. لأن المؤسسة الدينية الرسمية وقضاتها طوروا مبدأ الصبر على النظام الجائر مرتين .
في المرة الأولى انتقلوا من فكرة الصبر على الإمام الجائر التي كان يمارسها فقهاء عباسيون بعيدون عن السلطة: عن مالها وعن العمل فيها .. أما في المملكة دعموا السلطة وعملوا لها قضاة ومفتين ولم يكتفوا بدعم السلطان الجائر فقط بل دعموه عندما تحول إلى حكم تمييز عنصري .. وهذا التطوير يعتبر الخطوة الثالثة من تغول نظرية الصبر على النظام الجائر.
ومن أجل هذا لا غرابة أن تجد قاضياً يصدر صكاً .. ولدينا صورة صك أصدره احد القضاة بتاريخ ٢٥/ذي الحجة/ ١٤٣٣ .. حكم به على ١٩ معتصم بالجلد والسجن ، وبرر العقوبة بفتاوى الشيخين ابن باز وابن عثيمين .. هذا عنف .. وهذا العنف هو الذي أنتج لدى شبابنا العنف ..(و أنا أسف إذا ذكرت فتاوى الشيخين، كلنا نجل العلماء والفقهاء ولكن الخروج عن تخصصهم والدخول بفتاوى سياسية يضرب بها الأمة لابد أن يقال هذا خطأ ولابد أن يكون شبابنا أغلى علينا من أي فتاوى قد لا تكون مراعية مقاصد الشرع التي دلت عليها النصوص القطعية) بالتالي المدرسة الدينية وقضاءها منتج طبيعي للعنف، فقد منحت بطاقة خضراء لسجن أمثال الشيخ سلمان العودة ، وسفر الحوالي ونحوهم .. ,وهي قد منحت السلطان سوطاً جلد به ألوفاً .. كلجان حقوق الإنسان وقطع أرزاق الدعاة وإيداعهم السجون .. هذه المدرسة لاشك أننا الآن نعاني من أثارها
و أثارها على نوعين :
/ أنها ضربت الشعب بحيث أن الشعب أصبح مستسلماً ولديه ازدواجية شخصة ,وبالتالي كثير من الناس لا يدركون لماذا أصبح أكثر أصحاب العنف الدولي سعوديون. لا يدركون جوهر توأم القمع الديني السياسي الذي أنبنى على الحلف بين العلماء والأمراء وانه هو أساس العنف.
هذا السؤال قال به دعاة شرط البيعة على الكتاب والسنة أو العقد الاجتماعي وهو ولاية الأمة على كل والي وقاضي ونائباً ووزير في مقالات ومنها جمعية حسم. من ذلك بيان أصدرته حسم أو دعاة المجتمع المدني نسأل وزير الداخلية السعودي: لماذا تمنع الشعب حقوقه بالتجمع والتظاهر السلمي ؟!
إن أكثر أصحاب العنف الدولي سعوديين لأن وزارة الداخلية والقضاء وكبار العلماء قد أصبحوا يشكلون مثلث ينتج القمع والتطرف والعنف والاحتقان ,ويعالجون المشاكل في هذا البلد على غرار قول أبي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ ..وداوي بالتي كانت هي الداء
كأن المدرسة الدينية السعودية وقضاتها توحي بملامح منغلقة تكاد أن تقول للناس عليكم أن تخضعوا لسارق أموالكم وكرامتكم وحريتكم وإرادتكم . نستطيع القول أن توأم القمع السعودي السياسي بدأ منذ زمن .. منذ عهد الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب .. كانت ثنائية الإمامين إصلاحية كبرى عالجت مشكلات زمنها خلال جيل أو جيلين من الزمان ,لكنها اعتمدت على نظرية المستبد العادل ولاشك أن المستبد لا يمكن أن يستمر عادلاً وإن بدا عادلاً .. وبالتالي تحولت الآن إلى توأم قمع سعودي سيامي اتسم بالعنف والتطرف لأن السياسي تغول فتحول الخطاب الديني أيضاً من الصبر إلى الدعم بدون أي توقف .. في يوم ما فكر الملك فيصل أن يجعل العدل أساس المشروعية بدلاً من التحالف مع بعض الفقهاء ,فتراجع ويبدو انه تراجع لأنه لا يستطيع أن يستغني عن فقيه يفتي بسحق المتظاهرين .. هذه المدرسة الدينية السعودية بررت السجون والتعذيب وقطع الأرزاق .. و لم تقل للشباب أن الجهاد السلمي لإقامة حكم شوري في الجزيرة هو الحل وهو أجدى ألف مرة من جهاد عسكري خارجها. ولم تسأل هذه المدرسة الحاكم لماذا جندت الشباب للجهاد في أفغانستان ثم اعتقلوا حين عادوا .. هل خاف الحاكم السعودي من شبيبة عادت مقدامة مدربة على السلاح؟ فكيف إذاً بعثهم في جهاد خارج الحدود؟ ألم يفكر في مآل الأمور؟ إن غياب الإستراتيجية ومحاولة تفريغ طاقات الشباب خارج الحدود دون تفكير في عواقب الأمور كأنما تمنحهم تذاكر ذهاب دون إياب. من المشاكل أن الجهاد العسكري في الخارج تحول إلى عمل دون بوصلة ,قد يكون فيه كما حدث في أفغانستان فيه شبه بوصلة وان كان الدخول في إستراتيجية دول كبرى وأهداف ومطامع تخفى على هؤلاء الشباب .
الآن الذين يفجرون في العراق و أمريكا ضد كفار وضد فرق إسلامية من أهل القبلة إذا انشحنوا بخطاب لتفريغ طاقتهم عن جهاد سلمي محلي إلى جهاد عسكري خارجي .. ماذا تكون النتيجة ؟!!
الجهاد في الإسلام هو ضد العدوان لا ضد الكفر كما يتصور بعض الشباب .
ثم لما حصل العنف في هذا البلد ظلت المدرسة الدينية السياسية وتوأمها السياسي لا يبين للناس أن العنف والتطرف هو نتاج هذا التوأم ..كأنهم أرادو أن يغسلوا أيديهم من مثمرات فتواهم وثقافتهم التي رسخت خلال أجيال ولكن بأسلوب قمعي أيضاً.
كان الأولى بهيئة كبار العلماء ومدرستها أن تثني الشباب المتحمس للجهاد العسكري الخارجي إلى جهاد سلمي داخلي ..فلماذا لم تفعل ذلك؟ .. من المفهوم أن تعترض العراق واليمن وأمريكا على شحن تلك المدرسة الدينية تلك الشبيبة إليها .. طبعاً هي لم تشحنهم شحناً مباشراً لكن الثقافة التي درسها هؤلاء الشباب هي التي حدتهم للذهاب للخارج ، ألا يعلمون أنهم لبنات من إنتاج ملبن التوأم .
عندما تفتي المدرسة الدينية السعودية أن الجهاد ضد الكفار، وتتطرف في شروط لا إله إلا الله من الطبيعي أن تكفر فرقاً إسلامية معتدلة فضلاً عن المغالية ,ومن الطبيعي أن ينشحن هؤلاء الشباب ضد الكفار في كل مكان وضد كل من اعتبروه مخلاً بشروط لا إله إلا الله لأنهم توهموا أنه كافر سواءً صح تصورهم أم لم يصح لأن الجهاد ليس ضد الكفار وإنما ضد العدوان, ومن الطبيعي أن تخاف كل الدول من أن يمتلك هؤلاء الشبان خبرات لمعدات عسكرية يدمرون بها العالم على غرار ما وقع في أمريكا.
لم تقل هيئة كبار العلماء ولا غيرها ولا تيارها مهلاً لقد تشاركنا في إنتاج هؤلاء الشباب، وتشاركنا في صرفه عن الأولويات فهيا لنصلح خطايانا.
هذا ما يعيد فيه ويبدأ دعاة المجتمع المدني مختصراً في كلمتين:
التوأم، توأم القمع السعودي، كأي حكم قمعي شمولي مُنتج لكافة أنواع الأحقاد والتطرف والفساد والعنف. ولا ينبغي له أن يتبرأ عن مسؤوليته عن العنف العالمي .. فهؤلاء الشباب من إنتاجه، لا يمكن أن يقول أني بريء منكم.
هذا وقد تم قمع عدد كبير من الكتاب والصحفيين والإعلاميين ونشطاء حقوق الإنسان وأصحاب الرأي، ألم يتم ذلك بمقراض تؤام القمع؟!
من أجل إصلاح سياسي يقول دعاة المجتمع المدني: ينبغي ترسيخ خطاب ديني جديد يحتضن الحكم الشوري وحقوق الإنسان لكن توأم القمع السعودي المتبرقع بالدين يرف.
كيف نشأ أمثال الشيخ أسامة ابن لادن؟!
رجل صادق النية شجاع يجاهد في أفغانستان .. ثم عاد إلى البلاد وكان ينبغي أن يكون لمثله مكان ودور. وعندما سحقت الحكومة الحراك السلمي، صار ابن لادن يتردد على بعض المشايخ كما قيل -كابن باز وأبن عثيمين- كان من حقه أن يشارك في بناء بلده. أراد أن ينشئ جمعية سلمية لكن القمع كان له بالمرصاد. لو احتضنه توأم القمع وأكرمه واعترف بدوره ودور أمثاله .. لكنه لا يريد أن ينفتح للحراك السلمي. فسدّت أمام ابن لادن السبل، فانفجر كالبركان، وحين تنفجر البراكين لا تحتاج لفتاوى العلماء الشرعية.

لدينا ثلاث تيارات:
/ تيار ابن لادن / وتيار ثقافة الصبر أمام الجائر / وتيار دعاة المجتمع المدني
في الواقع لا نريد أن ندخل في صراعات مع أي مع هذه التيارات .. ولكن لابد من أن يشترك دعاة المجتمع المدني في التعبير عن ما يرونه صالح هذا الشباب كي لا تذهب طاقة الشباب في أشياء تدمره وتدمر بلاده وأهله.
حال دعاة الحراك السلمي كما قال أبو الطيب :
وسِوى الروم خلف ظهرك رومٌ .. فعلى أي جانبيك تميلُ
ليت الخصوم فريقان، إنهم ثلاثة:
١/ استبداد حاكم ظالم جاثم
٢/وأسلوب استسلام لحاكم جائر
٣/ وشباب يرى أن السلاح طريق الإصلاح
فلابد أولاً من تجديد الخطاب بنفض الغبار ونقض الخطاب الديني المنكمش الذي تجسده مدرسة الصبر على الإمام الجائر التي ترفض اعتبار المظاهرات حلالاً فضلاً عن اعتبارها جهاداً سلمياً. ثانياً، نقض خطاب مدرسة ابن لادن، وبيان أنه رد فعل لمنهج قمعي أي أنه يرد على المشكلة بوسائلها. فهو يربط عنف وتطرف الاستبداد بعنف وتطرف مضاد.
نتحمل نحن دعاة المجتمع المدني دورنا ونتحمل سهام نقد الطائفتين، ونتحمل الهجوم المادي والمعنوي من كافة الأطراف ولننشد مع كثير:
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍِ .. لعزة من أعراضنا ما استحلتِ

نكرر النداء .. الكلمة لا الرصاصة .. الداخل أولى من الخارج .. ولنواصل المشوار، ولاسيما في ظل نجاح الثورات السلمية.
القمع والظلم سواء كان في البيت أو المدرسة أو الحكومة ينتج ثلاث فئات :
١/ أغلبية مستسلمة
2/ وأخرى متمردة تعبر عن تمردها بالعنف
3/ فئة متمردة تعبر عن تمردها سلمياً عبر قيم المجتمع المدني وأساليبه.
كل منهم يتجه لإنشاء خطاب تبريري يؤكد أنه على الحجة البيضاء .. الاحتجاج بالنصوص أمر يحفل بالتأويل وكل مجتهد مأجور .حتى الخارجون على خليفة راشدي كعلي بن أبي طالب مجتهدون واجتهادهم سائغ لكنهم أخطئوا الوسيلة.
فما بالك بمن خرج على متغلب أو ظالم ؟
نكرر النداء لمدرسة الاستسلام لسلطان الجائر فمن أوائل العصر العباسي ومنهجكم سائد .. فهل أقمتم مرة واحدة حكماً
شورياً استمر أو استقر خمسين عاماً؟
ونكرر النداء لحملة السلاح .. أنتم تحملون السلاح منذ ألف وأربع مئة عام .. منذ سقوط الخلافة الراشدة عبر السيف فهل استطعتم إقامة حكم شوري مستقر؟
بينما في العالم خلال خمسين عاماً أنجز العمل السلمي فوق مئة حكم شوري ديمقراطي. ونجح المجتمع المدني في مصر وتونس واليمن خلال أسابيع وأشهر. ومن قفز فوق سنن التغيير وقع كما وقع المتمسكنون ضحايا ثقافة الصبر على الإمام الجائر .. هؤلاء في جهاد قلبي و أولئك في جهاد حربي والنتيجة واحدة.
فكيف يمكن التحرر من الهيمنة الأجنبية دون البدء بإقامة حكم شوري تكون الولاية فيه للأمة على كل أمير وقاضي ووزير ومدير؟ وحتى لو انتصرتم يا من تحملون السلاح، لن تنتجوا إلا دولة مذهبية تحكمها ثنائية الأمراء والعلماء التي رسخت الاستبداد.

أهم أسباب فشلنا في هذا البلد هي:
صرف طاقات الشباب الذي يفيض حيوية وشهامة وتضحية وكرامة إلى واقع العالم المدجج بالمكر والسلاح. المستبدون لا يخيفهم حمل السلاح لأنهم سيجدونه تبريراً سهلاً لضرب الشعب أجمع .. لكنهم يخافون الطرق السلمية.
عندما اعتصم نساء المعتقلين في بريدة ١٤٢٨هـ يقال أن رجل مباحث عريق قال: تفجير خمس عماير أهون على نايف من مظاهرة واحدة .. لأن مظاهرة النسوة كسبت تعاطف الجمهور.
نعم الجهاد في أفغانستان عمل شرعي لمقاومة غازي أجنبي باغ .. لكن الأفراد عندما يستدرجون في غمار إستراتيجية دول كبرى أو إمام جائر لا يحسنون الدخول ولا يحسنون الخروج. ولذلك عادت ثقافتهم لتفجر في العراق و أمريكا ضد الكفار أو ضد فرق إسلامي. تفجير القنصلية الأمريكية في ليبيا مثلاً على ماذا يدل؟ يدل على أن الاختراق في صفوف أهل العنف يتضاعف أو أن أهل العنف دون بوصلة توازن بين الأرباح والخسائر أو أنهم أسرى منطق الثائر وردود الأفعال العاطفية. كيف يستسلمون لفتوى فقيه لا يدرك المعادلات الدولية ولا مقاصد الشرعية ولا الأولويات ؟!
أليس قيام حكم شوري في الجزيرة يفجر طاقة الإنسان ويحفظ أخلاق القوة و الإرادة و الاستقامة والمال ويجعل البلاد في قوة اليابان؟ أليس يجعل الجهاد السلمي في الجزيرة لتقوية مركز الإسلام خيراً ألف مرة من الجهاد الجائر في سائر بقاع العالم.
من أجل إصلاح سياسي إذاً ينبغي ترسيخ خطاب ديني جديد يحتضن الجهاد السلمي.
نعم من الممكن أن نقول للغرب لكن هل الغرب سيسمعنا؟ من الممكن أن نقول للدول الأوروبية والأمريكية لكي تنفجر البراكين لا تحتاج لفتاوى علماء شريعة لأنها تثور بنداء الطبيعة.
هل يتذكر الأمريكيون أنهم مارسوا الإرهاب؟ ألم يسقطوا قنبلتي هيروشيما وناجازاكي على اليابان؟ ولكن هل نقتدي بأخطائهم؟! كما قال تشومسكي: السياسة الأمريكية أم التطرف والإرهاب. لماذا؟ لأنها دعمت دويلة صهيون. ونقول أيضاً السياسة الأوروبية قبلها لأنها ظلمت العالم والعرب والمسلمين وزرعت دويلة صهيون.
ونقول للأمريكان والأوروبيين: هل فهمتم أن العنف حليف منهجه وليس حليف منتجه وهو وفي لمنهجه وليس باراً لمنتجه ؟
وأنكم لن تستطيعوا تكييف المنهج السني للتعصب لطائفة ولا لدعم أنظمة تمييز عنصري في الخليج ؟
متى تكتشفون أن الشعوب الإسلامية المكبوتة المقهورة قد تنفجر وتندفع لغرائزها؟!
فالضغط يسبب الانفجار، ونذكر أن القلة المتوترة التي لا تجد مخرجاً لطاقتها قد تنفجر أو تنتحر، و هذا ما قال علم التربية وعلم الاجتما.
ولكن الشرائع السماوية فضلاً عن الإسلام ليست مصدراً لتفجير ولا لتدمير .. بل الاحتقانات والتوترات من الطبائع البشرية.
هل أدرك الأمريكان أن خوفهم لم يكن من الروس ولا من إيران .. بل من أفضل حليف لهم بعد إسرائيل، دول الجزيرة ودول الخليج كالسعودية؟ هل فهم الغربيون ما يردده دعاة حقوق الإنسان؟ أيها الأمريكان لقد خسرتم بضربة خمس عمائر ما كسبتم من نفط الصحراء خمسين عاماً.
متى يدرك الغربيون عقبى التحالف مع أسوأ أنظمة تمييز عنصري منذ التاريخ والتي استخدمت الإسلام لسرقة مال الشعب وكرامته وحريته؟ لكي لا تخرج جماعات متوترة من قمقم أفضل حليف لهم في الجزيرة والخليج،
ممكن أن نقول أيها الأمريكيون والأوربيون، إن أردتم الأمان فحالفوا الشعوب. حالفوا الشعوب ولا تحالفوا الحكام الظالمين فتحقد عليكم.
هذا هو تفسير العنف ,ولكن لا نبرر التفجيرات ولا حمل السلاح على المدنين لا يمكن ذلك لا أخلاقياً ولا دينياً ولا سياسياً .. ودعاة المجتمع المدني لا يبررون أي عنف أو تطرف لكنهم يفسرون وهناك فرق بين التفسير والتبرير.
إذاً لا نستطيع أن ننصح الأوروبيين والأمريكيين لأنهم لن يستمعوا ولن يصغوا إلينا، لكن نحن نقول يا شباب الإسلام انتبهوا من هذا الطريق الذي تسلكونه ولا يؤدي إلى ما تريدون. فحي إلى الجهاد السلمي يا شباب الإسلام. مفهوم المعارضة السلمية أن تفتح صدرك لرصاص الرشاش، وهو خير أسلوب لهداية الناس. قد يقول بعض الفقهاء الغافلين أن حديث الغلام الذي فيه آمنا برب الغلام خاص بالدفاع عن الشق الروحي من الدين والذي يحصرون فيه العقيدة والتوحيد .. هذا رأي قديم منذ العصر العباسي يرددونه اليوم .
فالتوحيد إنما هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ولا تتم الشهادة حتى تحرر الناس من خوف ورجاء غير الله كما نص على ذلك الحديث الصحيح ” لتتبعن سنن من كان قبلكم “والحديث الصحيح “لينقضن الإسلام عروة عروة”
والحديث الصحيح “أول ما تفقدون من دينكم الأمانة”. ينبغي للدعاة إلى الله أن يدركوا أهمية امتطاء سفن الجهاد السلمي إلى جزيرة الحكم الشوري وأن يسترخصوا الحياة ليعبّدِوا الطريق لحياة أمة تبحث عن قدوة تعلمها أن العمل ثمرة التضحيات المتواصلة المعلنة. إنه الجهاد السلمي، إنها الكلمة الهادئة، والمظاهرة المنسابة .. تهزم الدبابة المجنزرة المصفحة والمدفع الذي يدك المدن. إنها الكلمة الهادئة المجنحة بالموقف الثابت .. هي الجهاد السلمي الأكبر وقوة الجماهير الشعبية الناعمة التي تدك عروش الجبابرة.
رأينا بأعيننا الخبر اليقين لما أدرك الغرب أن في دعم الربيع العربي مصلحة استراتيجية لهم.
هل آمن الغرب بأن العلاقات التي تضمن مصالحهم إنما هي مع الشعوب و أن الملك العضوض الذي مازال يردد شماعة الإرهاب إنما يخدعه ويمكر به؟ أم أن حكام الغرب اضطروا عندما رأوا ثورات سلمية إلى دعمها لأن الرأي العام الغربي لم يعد يصدق مكرهم؟
نادى نيكسون أهله يوماً ما “انتهزوا الفرص” نعم هم ينتهزون الفرص، لماذا نحن لا ننتهز الفرص. فرص النضال السلمي الذي جربه العالم فنجح لاسيما وهو عندنا جهاد سلمي أشاد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم. ينبغي للباحثين عن رد الهيمنة والتغريب أن يدركوا أن رد الهيمنة والتغريب لن يكون إلا بحكم شوري.
ترى لو أن الناس عندما قامت حرب الخليج سنة ١٤١١هـ، أقاموا عشرات الجمعيات الحقوقية وطالبوا بالحكم الشوري عبر المظاهرات واستغلوا مأزق حكم التمييز العنصري لتصحيح المسار لكان كما قال الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها .. إن لكل خافقةٍ سكونُ
الفرص حتى لو هبت لن تخدم الذين يتهيبون التضحيات أو يسعون دون بوصلة. من لديه قمح ذراه إذا هبت الرياح ومن لا قمح له ستذروه الرياح. لقد تغير العالم كثيراً، ففي عصر القنوات الفضائية وعصر الانترنت والفيسبوك والتويتر لن يستطيع الغرب أن يدعم فيصلاً سعودياً يسحق المظاهرات في الدمام والظهران والرياض ولاحسيناً أردنياً يسحقها في عمان. من أجل ذلك لن يدبر الغرب بعد اليوم انقلاباً عسكرياً ليطيحوا بمندريس في تركيا ولا أن يطيحوا بعلي بوتو في باكستان ولا انقلاباً عسكرياً يطيح بجبهة الإنقاذ في الجزائر. ونسأل شبابنا طلاب الجهاد العسكري .. لو جاز العنف الخارجي في الشرعية، فأين حساب الأرواح والخسائر ؟ لو ملكنا قنبلة هل نفجر بها واشنطن؟ لو جاز لنا -وهو لا يجوز- ألا نتصور أن الأمريكان سيضربوننا كما ضربوا هيروشيما؟ هل يكفي الإخلاص والتضحية للخلاص؟
لابد من بوصلة .. بناء دول الحكم الشوري العربية عبر الجهاد السلمي أولاً. طوال التاريخ كله لم ينجح قتل الملوك ولا قتل الرؤساء ولا تفجير المباني والمرافق. لم يزد إلا استشراء الطغيان. أليس حسني مبارك ألعن وأسوأ من السادات؟
لذلك الجهاد السلمي هو خيارنا الوحيد. ونؤكد أن قيام حكم شوري في الجزيرة يفجر طاقة الإنسان و سيجعل البلاد قوية. لكن نحن لا ندعو إلى إسقاط النظام الحاكم .. بل ندعو إلى الملكية الدستورية. وعبر الجهاد السلمي لابد أن تتحقق الملكية الشورية الدستورية، وهذا أفضل من المغامرة ومحاولة حصر سبل الإصلاح بأنه لا يكون إلا بإسقاط الحكم. ينبغي أن نجرب طلب الملكية الدستورية أولاً، وعبر الحراك السلمي لابد في النهاية أما أن يعتدل الحاكم أو أن يعتزل.
لكي نخرج من الأوهام وننجح لابد أن نكون واقعيين .. وأن نمشي على الأرضي هوناً.
وأخيراً، الجهاد السلمي في الجزيرة لتقوية مركز الإسلام خير ألف مرة من الجهاد في سائر بقاع العالم .

(٧) دول الجزيرة والخليج الوراثية من الضغط إلى الانفجار – الدكتور عبدالله الحامد
السلام عليكم، أحمد الله القائم بالقسط والقائل وأمرهم شورى بينهم، وأصلي على رسول الله الحاكم بالشورى، القائل لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروة، فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن نقضاً الصلاة، وعلى أصحابه الذين أشادوا الحكم الشوري وأتباعهم في كل مكان زمان ومكان.
عنوان المحاضرة عن العلاقة بين الضغط والانفجار ولكن من خلال تطبيقه على دولة القمع الوراثية في الجزيرة والخليج، بمعنى أنها بين مفترق طريقين: إما قيامها بشرط عقد البيعة الشرعية ولاية الأمة أو الانفجار والانهيار. فدولة القمع الوراثية في الجزيرة العربية والخليج ظاهرة فريدة في العصر الحديث ليس لها شبيه على مر التاريخ الإنساني، ولا يمكن أن تستمر في العصر الحديث، لقد ماتت دماغيا، وإنما مصيرها الانهيار والانفجار الوشيك، حتى قبل هبوب الرياح العربي، لأنها أكبر مصنع للضغط والاحتقان في العصور الحديثة للأسباب التالية:
1- أنها تجسد نموذج فظ للحكم الشمولي البوليسي البائد، ومن علامات ذلك: اتساع مجالات سيطرة الدولة على الأفراد. كانت وظائف الدولة في العصور القديمة محصورة في الحفاظ على ثلاث: حفظ الأمن الداخلي بالشرطة، والخارجي بالجيش، والقضاء بين الناس، فظاهرة الدولة الحديثة تتجاوز دور الدولة السائسة إلى دور الدولة المسئولة عن التعليم والصحة وسائر الخدمات كالزراعة والتجارة والصناعة، والدولة المسئولة عن التوظيف والعاطلين والرعاية الاجتماعية وإنشاء الطرق والبلديات والعناية بالاقتصاد، فتضاعفت وتضخمت سلطتها، وصار من الخطورة أن تكون سلطتها مطلقة، في سن القوانين والأنظمة واللوائح التي تضيق على الأفراد والجماعات وتقيد حقوق الإنسان، كما ذكر الدكتور عبد الله النفيسي في كتابه الحركة..، صار من واجب الدولة أن تحقق لمواطنيها حياة أفضل في جميع النواحي، وصارت الدولة ذات علاقات خارجية، وكثرت لها وسائل المواصلات والاتصالات وتضخم السكان وكثر المدائن ، من أجل ذلك ظهرت مساوئ النموذج الوراثي في الحكم والإدارة والقضاء والحقوق والتربية جليةً واضحة، ولنفترض من باب المجاراة نجاح الجمع بين السلطات في الدولة القديمة في إقامة حكم شوري عادل لأن مفهوم الدولة في العصور القديمة لم يكن شموليا. اتسعت وظائف الدولة الحديثة، الحكومة هي الآن التي تصدر شهادة الميلاد، وهي التي توافق أو لا توافق على اسم الطفل، فالولادة بشهادتها، والوفاة بشهادتها، والزواج بإذنها، والسفر بإذنها والمرور بين المدن وضواحيها في بعض الأحيان بحواجز، وكل شيء صار بحاجة إلى إذن، وفسح وتأشيرة، وهي التي تقرر الخطط الزراعية والصناعية وعشرات الأمور الكبرى ومئات الأمور الصغرى. بناء عليه فإن أي حكومة مستبدة ستخل بوظائف الدولة، إن تركيز السلطة في أيدي أفراد محدودين يؤدي إلى الإفراط في استعمالها، هذا مبدأ لا ريب فيه، وإذا استأثرت الحكومة بالتشريع والتطبيق معاً في هذه الأمور دون توزيع للسلطة يحدد وظيفة الحكومة بصفتها جزأ من الدولة لا بديلا عنها ولا مركزا لها ولا ينبغي قبول الخلط بين المصطلحين ولا بين وظيفة كل منهما، عندها ستنتهك حريات المواطنين وحقوقهم وحرمة المال العام وستفسد الإدارة وتفرط في استخدام القوة والنظام والقانون الذي لا يستمد مشروعيته إلا من كون الحاكم هو القانون نفسه.
2- سيطرة الدولة على التربية الاجتماعية والتعليم: سيطرت الدولة في الجزيرة والخليج اليوم على التربية الاجتماعية عامة، والتربية والتعليم خاصة، فلا يدرس أحد في المدرسة حتى الجامعة إلا المناهج والأفكار التي تريد فصارت معلمة الشعب من خلال المدرسة، التي يبدأ طابورها في الصباح بذكر اسم الحاكم كأنه ورد الصباح، وكأن الأمة مخلوقة من أجل الطواف بتمثاله، عليها واجبات وليس لها حقوق وصارت إجازات التعليم اللازمة للتوظيف بختمها فصارت تكتب التاريخ على هواها وتكتب مفهوم المواطنة كما تريد، فضلا عن علوم الإدارة والاقتضاء والسياسة والعقيدة، الحكومة إذا استبدت قادرة على إفساد التربية الاجتماعية أيضا في البيوت والمجالس والنوادي ووسائل الترفيه قادرة على تربية الناشئة تربية فاسدة تجعلهم نسلاً رديئاً لا يكافح عن دين ولا يذود عن عرين، إن هم إلا كالنبات الرخم في تجاويف الكهوف.
3- سيطرتها على المساجد وقنوات الإعلام والتوجيه، فصار من المتوقع أن تزيف الحقائق وتمارس قهر الوجدان والعقل والسلوك معاً، بصورة تجعل الناس يرون المنكر السياسي معروفاً، والمعروف السياسي منكراً، ويعتبرون القمع والهوان خيراً، والحرية والكرامة شراً، والسكوت على المنكرات السياسية حكمةً ومواطنة صالحة، صار الإنسان لا يستطيع أن يتكلم في المسجد أو مدرسة أو في ميدان أو منتدى إلا برخصة منها وصارت الدولة الوراثية القمعية تصنع على عينها أهل الثقافة والعلم والفكر والدين ترغيباً وترهيباً وتغريرا حتى ترى كثيرا منهم بوقاً إعلاميا للحاكم في الخطب الموسمية والمناسبات الرسمية، أو منعزلاً عن الناس مُحاصراً في زاوية الضرورة والإسقاط والإحباط والسلامة الذاتية والرهبنة.
4_ سيطرتها المطلقة على أجهزة المواصلات والاتصالات كالهواتف والانترنت وتستطيع أن تجعل منها أدوات رهيبة تغتال العيون والأفئدة بوسائل أكثرها سري خفي ,إذ يمكنها من خلالها أن تسترق السمع في البيوت والمجالس والجوامع والمساجد والجامعات، والمنتزهات والفنادق، فتحول نظام المراقبة من شخصي بشري إلى تقني آلي فصار الإنسان مقيد بهذه الأنظمة القامعة من المهد إلى اللحد.
5- تطورت وسائل هيمنة الدولة بأجهزة وأسلحة تقنية ذكية خطيرة عسكرية وبوليسية مدججة بالرشاشات والمدرعات والدبابات، إنها أسلحة رهيبة كلها مركزة في يد الحاكم، أجهزة لا يتاح لأفراد الناس معرفة أسمائها فضلا عن إمكان حملها وحيازتها، هذه الأجهزة زادت الطغيان قوة، فكيف ترد الدولة إلى رشدها عندما تنحرف عن جادة القانون، كما ذكر الدكتور يحيى الجمل في كتابه الأنظمة السياسية: إذا كانت الدولة مستبدة مطلقة وأصبح المجتمع فيها أعزل محروماً من القدرة على إبداء أبسط مقاومة أمام أفظع ظلم، فصار الأفراد والجماعات لا يستطيعون الخلاص وإلا أبادتهم وسحقتهم سحقا ماديا ومعنويا مستورا.
6- تلاعبها بثروة الأمة والبلاد وتدمير الاقتصاد، وسيطرت حواشيها على أموال الشعب وأراضيه واستنزاف الثروة الطبيعية وهو أمر أدهي وأمر لاسيما على الأجيال القادمة، فقد تطورت التقنيات في استثمار الثروة الطبيعية اليوم، فصار من الممكن استخراج المياه والمعادن من باطن البر والبحر، وصارت الحكومات تتحكم في ثروات الأمة الحاضرة وثروات الأجيال القادمة من ماء ومعادن وبيئة، وبذلك تصبح الثروة في البلدان العادلة كإنجلترا وأمريكا سُلم للعزة والقوة، وفي بلدان التخلف الخليجية مُعينة على الإسراف والنهب، أو سُلم للتردي في حروب داحس والغبراء، فتصبح الدولة القمعية قادرة على تلويث الجو بالقنابل وآلات الدمار فتهلك الحرث والنسل وتدمر البيئة الفطرية وتحول الرياض الخضر إلى صحارى جرد، فتجعل الأجيال القادمة أسرى الأمراض المتوارثة، وفي حروب الخليج أوضح مثال.
7- رهن مستقبل الأجيال بالديون الدولية إذ تنجر الدولة الجبرية إلى اقتراض ديون كبيرة قد تثقلها، وتنفقها دون توازن ومراعاة للأولويات، بل تهتم بالأمور الثانوية ، كإنشاء الملاعب ومظاهر الحضارة، والقصور والملذات كما فعلت حكومات عديدة، وذلك يجعل الدولة مرهونة للمقرضين، فتتحمل الأجيال القادمة ذنوبها، وترهن إرادة البلاد والعباد للدائنين والمرابين الدوليين، كما فعل إسماعيل الخديوي في مصر، ففتح المجال للانجليز لاستعمار مصر، واستعمروها بحجة عجزها عن سداد ديونهم، فتترك الأجيال القادمة في مستنقعات من الفقر والهوان في أسواق الشحاذة والنخاسين.
8- إمكان رهن البلاد لمصالح الأسر الملكية الحاكمة، أساس المشكلة أن الحكم الوراثي المطلق أفضى إلى ضعف الدولة الإسلامية في عصر الهيمنة الإفرنجية، لقد كانت الدول العربية الإسلامية القديمة المستبدة الجائرة غالبة ذات إرادة حرة عزيزة، وكان الحاكم العباسي الجبري الجائر كهارون الرشيد والمعتصم يجسد عزة العالم الإسلامي في عصره، محافظا على هيبة الأمة يسمع كلمة “وامعتصماه” في قلب بلاد المعتدين فيغزوهم مغيثا من استغاث من أجل ذلك صبر أمثال الإمام أحمد بن حنبل على جوره وأطلق كلمات خاصة مقيدة بزمنها ومناسبتها في الصبر، أما الدول العربية والإسلامية اليوم في عصر الطوائف المستبدة الجديدة فمغلوبة والهيمنة إنما هي للأمم غير الإسلامية، وإذا كانت مقاليد السلطات الثلاث في قبضة الحاكم الجبري الجائر في الدولة العربية المغلوبة أمكن الدول الكبرى استغلاله أو توريطه عبر أساليب عديدة تحفل بأسرارها كتب الجاسوسية والمخابرات والوثائق التي تنشرها الكتب الغربية إن لم تكن بالغة السرية كل حين، وهذا يؤدي إلى أن يتصرف الحاكم بالبلاد وكأنها ملك له لا شريك له فيه، وكأنها أرض ورثها عن الأجداد وأن يتصرف بالعباد كأنهم ماشية اشتراها من المزاد وحروب الخليج شاهد على العصر، وإذا كانت الحكومة مستبدة ربطت الدولة بمعاهدات أجنبية سرية أو علنية ظاهرها التعاون وباطنها التهاون، إن لم يكن التفريط بالسيادة ودوس كرامة الأمة ونحو ذلك من المخزيات التي لا يعلم بها الناس حتى يأذن المستعمرون بنشرها بعد خمسين سنة، إن لم تكن خطيرة جدا. فيرهن الحاكم الجبري مستقبل العرب والمسلمين لدول غاشمة لا تخاف فيهم ربا ولا تراعي لهم عهدا، ولا تراقب فيهم ضمير، كما فعل مصطفى كمال في معاهدة لوزان الهوان، وكما فعلت حكومات خليجية عديدة، وإذا استبد حاكم الدولة الضعيفة ولم يعد يسمع إلا صوته غررت به الدول الأجنبية الكبرى فسهل على أعدائه اصطياده وإيقاعه في الفخ كما صنع الغرب مع عبد الناصر عندما قادوه إلى مضائق تيران، ومع عرب الخليج والعراق عندما قادوهم إلى الفخ الأول الحرب في إيران، الذي تداعت به المآسي والأهوان.
هذه أول سمات الدولة الخليجية من مفهوم الحكم الشمولي، الآن سنلاحظ أيضا، أو نذكّر، لأن هذا أمر معلوم لكم، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، تحول الدولة الخليجية من حكم شمولي إلى حكم تمييز عنصري، ومن مظاهر ذلك في الأمور الاجتماعية اختلال قانون المساواة في الحقوق والواجبات، فالأسر الملكية لا تعامل على قدم المساواة مع الشرائح الأخرى، ولاسيما في العقوبات، كما نرى في المتهمين في كارثة غرق جدة نموذجا، ثم استحواذ الأمراء وحواشيهم على أكثر أموال العباد وأراضي البلاد، ثم وأد التسامح ووأد التعددية بخطاب محرف وأكثر ما يظهر ذلك في خطب الجوامع التي تسيطر عليها وزارات الأوقاف سيطرة تامة، حتى صار لعن الشيعة وكأنه جزءً من شروط صحة الخطبة، ثم هي أنظمة تفتك بحقوق شعوبها السياسية، من الطبيعي أن أي دولة لا تحقق عدالة اجتماعية، إنما تقوم على وَحدة قسرية، إذا بضياع روح العدالة الاجتماعية لا يمكن توافر روح المواطنة، لأنه لا يمكن تحقيق عدالة اجتماعية أو اقتصادية إلا في ظلال عدالة سياسية، من أجل ذلك فإن انتهاك العدالة السياسية هو أفظع أنواع انتهاك حقوق الأمة، فكل نظام لا تنبثق السلطة فيه من قوامة الأمة فهو بوليسي، وهناك بضع علامات وأدلة على أن النظام السياسي الخليجي يمارس انتهاكات منهجية كبرى للحقوق السياسية، من أهمها:
النظام السياسي الخليجي يتنكر لمبدأ ولاية الأمة على الحكام، مبدأ أن البيعة الشرعية هي عقد اجتماعي وهي مقتضى كون أن الأمة صاحبة السلطة، والبيعة إقرار من الحاكم بأنه وكيل عن الأمة لا عليها، الواقع أن قراراته وأنظمته الكبرى يصدرها الأمراء دون تفويض شعبي دستوري، وليس فيها ولا قانون مهم واحد صادر بتفويض شعبي، ونظرا لعدم انبثاق النظام السياسي الخليجي من مفهوم البيعة الشرعية، العقد الاجتماعي القائم على الرضا والاختيار، انتهك النظام مبدأ عدم جواز اتخاذ العنف وسيلة للاحتفاظ بالسلطة أو الوصول إليها، إنه لا يبدأ بمبدأ الصراع السياسي السلمي للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، ولأن النظام السياسي الخليجي لا يؤمن بولاية الأمة عليه عاش خارج الحضارة والمدينة ولذلك لا يؤمن ببرلمان يمثل إرادة الأمة ومراقبتها ومحاسبتها، ولأن النظام السياسي لا يؤمن بولاية الأمة، رفض قيام الجمعيات الأهلية ذات السلطة الشعبية المنفكة عن وصاية الدولة، ولم يؤمن باستقلال القضاء فتجافى عن المعايير الدولية لاستقلال القضاء وهي أكثر من عشرين معيارا وهي كالمساطر عن زيف الاجتهادات والضمائر، وهو لا يؤمن بالفصل بين السلطات، فصارت الأسرة الملكية مرجعية السلطات ومصدرها، وتقوم فيها السلطة التنفيذية بدور السلطة النيابية والقضائية معا، والنظام السياسي الخليجي يجرّم المعارضة السياسية، فلا يسمح بالأحزاب السياسية ولا تداول للسلطة، ولذلك تعامل مع دعاة الدستور والمجتمع المدني على أنهم الوجه الآخر للإرهاب، بل اعتبر المظاهرات إخلالا بالأمن، وقد يدخلها في خانة الخيانة العظمى، ومن ذلك أيضا غياب الرقابة والمحاسبة الشعبية على جميع أجهزة الدولة، فضلا عن رقابة الشعب على أجهزة الأمن القمعية، وليس في الأنظمة الخليجية محاكم دستورية عليا لتكون مرجعية شرعية مستقلة لتحديد معايير شرعية الأنظمة والقوانين والقرارات والأوامر ، وهو يستند في مشروعيته ويعلن أنها “السيف الأملح”، ومع ذلك يدين العنف السياسي ويعتبره غير مشروع في الوصول إلى السلطة بينما هو يستند إلى العنف في مشروعيته، في تناقض غريب بين ما يحتج به وما يحتج عليه، إذاً أنظمة الخليج ليست مجرد أنظمة شمولية فقط، بل هي تجسد ملامح نظام التمييز العنصري، فلو كانت بعض هذه السمات في بلد يحكمه حزب لكان ذلك نظاماً بوليسياً، ولو كان بعضها في نظام يحكمه فرد لكان إمبراطوريا، ولكنها مجتمعة توحي بشبه بين النظام العنصري البائد في جنوب أفريقيا وفي النظام الخليجي السائد ثمة أقلية يطلق عليها الأسر الملكية أصحاب السمو الملكي، أو أصحاب السمو الأميري تتحكم في البلاد والعباد وتشكل نظاما منغلقا يعتمد على القبيلة وأصهارها، ومن ملامح ذلك أيضا ما يلي:
النظام السياسي الخليجي إخطبوط إداري، فوق حصر مناصب الدولة السياسية بأفراده، ينتشر الأمراء في المناصب ويولى المحاسيب والحاشية متنكرا لمبدأ انتخاب الأكفاء، فضلا عن مبدأ تكافؤ الفرص، وهو يتفرد بالثروة والسلطة، تفردا عائليا قبليا، وليس حزبيا، وقد استولى الأمراء فيه على مناصب الحكومة الكبرى ولا يمكن للملك أو الأمير، فضلاً عن غيره أن يتهم أحدا منهم، فضلا عن أن يقاضيه، فضلا عن أن يحاسبه، فضلا عن أن يعزله، ورغم أن بعض الأمراء متهم من الحقوقيين بالتعذيب وبجرائم ضد الإنسانية وضد الإسلام، لا يستطيع أحد حتى لو كان الملك أن يشكل لجنة لتقصي حقائق لانتهاكاته، ولا أن يسأله عما يفعل، فضلا عن أن يحاسبه أو أن يعزله، وهو يجسد نظام إدارة يمكن أن يعبر عنه بديناصوريّ متحجر، يولد المشكلات وكافة أنواع الفساد، تتميز أفراد الأسر الملكية بلقب صاحب السمو أو أمير، محصور بأفراد الأسر الحاكمة، حتى الأطفال، وتمتاز الأسر الخليجية الحاكمة بالحماية الأمنية والخدمات وحصولها على ذلك منبثق على أن أفرادها أصحاب سمو لا من كونهم مسئولين في الدول، ويسكن أفراد الأسر الخليجية الحاكمة في أماكن فاخرة محددة، ويتمتعون بمدارس ومستشفيات وخدمات فائقة خاصة، وهم مستثنون من الأنظمة العامة، كالجمارك والتفتيش ودفع الغرامات ولا يمكن مراقبة أفراد الأسر الحاكمة أو محاسبتهم أو معاقبتهم، ولبعض أفراد الأسر الحاكمة محاكم خاصة بها. وتدعم الأنظمة السياسية الخليجية، ولاسيما السعودي مدرسة دينية منغلقة متحجرة تشبه الكنيسة الفرنسية أو الهولندية في جنوب أفريقيا التي قالت للسود أنتم جنس منحط عليكم أن تخضعوا، لمن؟، لشعب لله المختار، لجلاديكم، وهي تسبك خطابا دينيا للفتح بمفهوم العقد الاجتماعي: البيعة الشرعية على الكتاب والسنة، ولحماية التخلف السياسي، خطابا ينكر محور العقيدة الإسلامية السياسية، سلطة الأمة، ويعلن أن سلطة الأمة ليست من هدي الإسلام ولا من سنن السلف الصالح.
هذه أسباب الاحتقان أو الضغط، بقي أن نذكر في عجالة خاطفة أيضا، بعض مظاهر الاحتقان والانفجار وبوادرها:
-قضية المرأة: كثرة العاطلات و العنوسة، ماذا فعلت الدول لحل عنوسة مئات الألوف من الفتيات.
-الفساد التربوي وضعف مستوى التعليم، حتى جامعاتنا في ذيل قائمة الجامعات العالمية. أما ضعف مستوى التعليم غير الجامعي فإن تعليم التلقين والتقليد سائد لأنه من مخرجات القهر السياسي. وبسبب ضعف مستوى التعليم اضطرت الأسر إلى التعليم الخاص الذي اكتوت بأسعاره.
-ثم هناك ضعف في مستوى الخدمات الصحية، اكتوى الناس بأسعار المشافي الخاصة، وخُصص الأمراء بالمشافي الفائقة الجودة. ثم شاعت الأمراض الجسدية ذات العلاقة بالتوتر والكبت والسكري والسرطان والجلطة وقرحة المعدة، وأرقامها غير الطبيعية. السكري قاربت نسبته الوباء، أي 28%. وإذا صار 30% صار وباء، لماذا زاد المعدل عن أمريكا، أليس لذلك علاقة بالقهر السياسي، كثرة الأمراض النفسية في هذه البلدان التي يقال عن تجاوزاتها، التي يقال أنها تجاوزت المعدلات العالمية، إنه الكبت السياسي، الكآبة مرض فتاك، يزداد في هذا المجتمع، أرقامه خيالية، أليس مرض الكآبة، مرتبطا بالكبت والأزمات، إنه القمع السياسي، الشورى في أي بلد تنتج الرضا والفرح والسرور، والقمع ينتج التوتر والكآبة والإحباط والجنون، هذه حقائق في علم الاجتماع السياسي، وليست أضغاث أحلام، أرقام حالات الانتحار غير طبيعية، كيف تتكاثر في مجتمع مؤمن، إنه القهر السياسي، تتكاثر ظواهر الفساد الأخلاقي داخل البلاد وخارجها وتزداد، وظواهر الزنا والفجور واللواط والمسكرات والاختطاف والاغتصاب، في مجتمع متدين مليء بالمساجد وحفاظ القرآن، أليس لتكاثرها علاقة بالقهر السياسي، المخدرات تزداد معدلات تعاطيها في هذه البلدان، فكيف تكثر في أكثر بلدان العالم مساجد وتدينا وحفاظا للقرآن، كثرة السرقات، سرقات السيارات والمنازل والمتاجر والمواشي، هذه السرقات على ما تدل؟، هل يوجد بلد في العالم، غير الدول الخليجية، يضع الناس شباكا حديديا في شباك الدور الثاني من بيوتهم. هذه العمالة المتكاثرة في البلدان الخليجية، مع أن النسبة الطبيعية لا تزيد عن 7%، لا يوجد في قديم الدهر ولا في حديثه مجتمع يعتمد على الأجانب في المهن والخدمات والحرف، ويكاد أن يعيش أفراده مرفهين كالسادة، هذا مجتمع لابد أن ينفجر أفراده في النهاية، كما تفجر المجتمع اليوناني القديم، وهذه أحد مفاسد الوصاية على الأمة. أرقام العاطلين التي تعترف بها الدول كبيرة تتجاوز في بعضها 30 %، وهي حتى في أدني التقديرات تتجاوز المعدل المقبول في أي بلد فقير الذي لا يزيد عن 9% ، فما بالكم بها في بلدان نفطية. لماذا تتكاثر في أغنى بلدان العالم نفط ظاهرة الفقراء المعدمين؟.
-ومن أهم عوامل انفجار الحكم الوراثي الخليجي، أنه يفتك بتيارات الحراك السلمي، التي تنشر قيم المجتمع المدني، وآليات التغيير السلمي، ويضرب حرية الرأي والتجمع والتعبير، و يقمع الاعتصامات والمظاهرات السلمية التي تحتج على هذه الانتهاكات السياسية والمدنية، ويزج طلاب الحقوق ودعاة حقوق الإنسان في السجون، ومن أجل ذلك صار يعاني من انتشار العنف والغلو. وقد كانت حركات الجهاد العسكري، التي ضربت العالم شرقا وغربا من إنتاجه، لأن القوة المهمّشة عندما تحتقن ثم تحاول أن تعبر عن نفسها في نظام سياسي بوليسي لا يسمح بالمعارضة، تتجه إلى العمل تحت الأرض، ثم حين تحاول الظهور يفرط النظام السياسي في استخدام العنف، فيدفعها إلى العنف الذي تعتبره هي واهمةً دفاعا عن النفس، فينفتح الباب على مصراعيه للعنف والعنف المضاد في جدلية العنف المتبادل.
الطريق المضمون الوصول إلى حكم شوري يقي البلاد والعباد من مساوئ ثنائية الضغط والانفجار هو الجهاد السلمي، وله عشرات الوسائل وأهمها الجمعيات الحقوقية والمظاهرات، عندها سننشد مع البحتري:
أتانا الربيع الطلق يختال ضاحكا … حتى كاد من الحسن أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى … أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما

(٨) ما الذي نخسره بغياب سلطة القانون؟ – الدكتور محمد القحطاني
في الدول الأخرى هناك انضباط قانوني، لما يرتكب الشخص، حتى لو جريمة صغيرة، يعرف بالضبط أنه سيذهب إلى المحكمة، ويعرف ما هو الحد الأدنى للعقوبة، بناء على ظروف الجريمة التي ارتكبها، ويعرف أيضا ما هي حقوقه، ويعرف أن القانون ينص على العقوبات، حتى القاضي لا يستطيع الخروج بوضع عقوبة مغلظة أو عقوبة خارجة على النص، وبالتالي تجد مثل هذا الانضباط القانوني، الجميع يعرف حقوقه، هذا موجود في أغلب الدول، لدينا مع الأسف هذا غير موجود. يعني بإمكان شخصين يرتكبون نفس الجريمة وينتهي المطاف بهذا الشخص بأن يوضع عليه عقوبة مغلظة، وشخص آخر قد لا يمثل في المحكمة، ناهيك عن أن يصدر عليه حكم، فلماذا هذا الوضع، وما هي كلفة مثل هذا الوضع في الخلل في سيادة القانون وسلطته، نبدأ في البداية بتعريف سلطة القانون، هي : حالة الاستقرار القانوني، بمعنى أن هناك وضوح في الرؤيا، حالة الاستقرار القانوني تسود في المجتمع ومدى دقة تنبؤ الناس بنتائج تصرفاتهم، عندما يرتكب الشخص جريمة، جنحة، مخالفة، يعرف بذلك ما هي النتيجة المترتبة على مثل هذه المخالفة، بل يعرف ما هي حقوقه ويعرف عندما يكون لديه مشروع تجاري أو مشروع صناعي ما هي الإجراءات أن تكون واضحة وغير معقدة، الذي يحصل عليه شخص آخر يحصل عليه نفس الشخص في تكافؤ واضح للفرص، وبالتالي مدى وضوح وشفافية الأنظمة والقوانين والإجراءات والتزام الدولة بها، وهذا مهم، مع الأسف تجد في كثير من الدول أول من يلتزم بالأنظمة هي الدولة – أقصد بالدولة هي الحكومة – في حين أن الدول النامية، تجد النظام السياسي هو أول من يخالف الأنظمة التي قام بصياغتها، وتعد سلطة القانون هي البيئة القانونية التي تضبط الناس في إدارة شؤونهم، بمعنى هذه الانضباط القانوني هو يضبط سلوك الناس في المجتمع وأيضا يوجه سلوكهم في إدارة شؤونهم ، إذن هي تلك القواعد القانونية التي تضبط سلوك الأفراد، ليست في اتجاه بعضهم ببعضهم فحسب، بل واتجاه الحكومة، والعكس كذلك صحيح، أيضا تحد من ممارسات الحكومة تجاه الأفراد، أي لا يتغول النظام السياسي تجاه الأفراد ويحرمهم من حقوقهم وحرياتهم، بحيث تحمي حقوقهم وحرياتهم وممتلكاتهم، بحيث يستطيع الناس أن تتنبأ بما يواجههم من عقوبات حال وقوعهم في المحظور دون تمييز أي منهم، بمعنى أن هناك نظام جزائي واضح معلن ينص على الجرائم والعقوبات التي توجه للمخالفين، مع الأسف لدينا الآن تجد الشخص قد يرتكب مخالفة بسيطة، ثم عندما يمثل أمام المحققين، تجد التهمة التي توجه له مالها علاقة أصلا بأساس المخالفة، والسبب هو عدم وجود نظام جزائي ممكن يقوم به هذا الشخص. مثلا أخونا عبد العزيز الوهيبي، أحد المؤسسين لحزب الأمة الإسلامي، وجه له المحقق تهمة غسيل أموال، ليس لها علاقة أصلا بالتهمة الأساسية، بل لو كنا بدولة بها انضباط قانوني لما استطعنا أن نجد المدعي العام يوجه لنا التهم المضحكة التي ليس لها علاقة بمخالفتنا مع النظام السياسي، الجرائم ضد الإنسانية والتعذيب وغير ذلك من المخالفات الأخرى، التي هي انتهاكات لحقوق الإنسان، وبالتالي أهمية سلطة سيادة القانون، ليس للحريات العامة فحسب، لكن في تحقيق التنمية بمعناها الشامل، الدول المتقدمة الآن، حصل فيها تطور شامل في النواحي الاقتصادية والسياسية، وأيضا البيئة القانونية التي تضبط الخلافات والنزاعات التجارية، والشركات التي أسست الآن التي لديها تجارة كبيرة جدا، أسست على مبادئ قانونية بحيث المستثمرون لهم حقوق ، إدارة الشركة لها حقوق العاملين فيها لهم حقوق، أصحاب الاختراعات أيضا حقوقهم محمية بالنظام، وبالتالي هذه البيئة القانونية هي اللبنة الأولى في تطور المجتمع، لذلك المجتمعات المتطورة، تجد البيئة القانونية فيها متطورة، ونحن لا زلنا مع الأسف متخلفين في هذا الشأن، وبالتالي الأهم من ذلك سواء التنمية الاقتصادية لدينا منذ عام 1977 م خطة التنمية الأولى، التركيز فقط على التنمية الاقتصادية بشكل أو بآخر ولم نحقق أي تقدم في تلك الفترة، بعض التغير الشكلي الذي لم يكن بسبب السياسات التي اتبعتها الدولة أو الحكومة، في حين البيئة القانونية المتخلفة، وأنا أعطيكم أمثلة كثيرة جدا لماذا البيئة القانونية لدينا مختلفة.
مما يعكس أهمية سلطة القانون يقول توماس بين، هو أحد المنظرين الغربيين الذين تبنوا فكرة الثورة الفرنسية منذ نشوئها، وهو مؤلف كتاب حقوق الإنسان وهو أول كتاب فيها في أواخر القرن الثامن عشر، فيقول توماس عشية الثورة الأمريكية في 1667 م لم يكن هناك ملكاً في الولايات المتحدة في تلك الفترة، لكن الملك الفعلي هو القانون الذي يحكم الناس هو سلطة القانون، وهذا تفسير جميل جدا لأهمية سلطة القانون، وبعد مرور أكثر من قرنين من الزمان مازال الأمريكيون يفتخرون ببلدهم أنها دولة قانون ومؤسسات ويعتبرونها السبب في بقائها ونجاحها وحيويتها كدولة ديمقراطية تحقق العزة والكرامة لشعوبها وهذا صحيح، أحد الأشياء التي يفتخر بها المواطن الأمريكي أنها دولة قانون، لدينا أسئلة كثيرة جدا: ما هي العلاقة بين الديمقراطية أو الحكم الشوري وسلطة الأمة وسلطة القانون؟ أي بمعني هل كل دولة قانونية تسود فيها بالضرورة سلطة القانون، وفي المقابل هل كل دولة ذات حكم دكتاتوري لا تسود فيها بالضرورة أيضا سلطة القانون.
في الحقيقة أن الديمقراطية وسلطة القانون لهما دور يكملان بعضهما، فالديمقراطية من خلال اختيار الشخص للحاكم، واختيار أعضاء مجلس البرلمان فإنها تخضع الحاكم لسلطة وشورى الأمة وأن تكون جميع أجهزة الحكومة خاضعة للشعب، لا مستعبدة له، بما في ذلك أجهزة الأمن التي دورها حماية أمن المواطنين والحفاظ على ممتلكاتهم ولا تكون مهمتها ملاحقتهم وسجنهم وانتهاك حقوقهم، ومن ثم تسود سلطة القانون والحفاظ على الحريات العامة، وبذلك تتضح حقوق الملكية ويتم تطوير البيئة القانونية التي تحكم سلوك جميع مكونات سلوك الأمة وأفرادها والكيانات الاعتبارية والأجهزة الحكومية أيضا، ولكن ليس بالضرورة أن كل دولة تحكم من قبل نظام ديمقراطي تتمتع بسيادة سلطة القانون، إلا إذا تم القضاء على نفوذ جماعات المصالح التي عادة ما يقومون بتعطيل القوانين خدمة لمصالحهم الضيقة، فعلى سبيل المثال في بعض الأنظمة السياسية الديمقراطية التي تعاني من فراغ قانوني لا يكون الرئيس لديه حصانة من الملاحقة القانونية حال مخالفة النظام فحسب، بل وأفراد أسرته وأقربائه الذين لديهم قدرة خارقة في تعطيل القوانين وصياغة قوانين جديدة تحمي نصالحهم الضيقة، وتحرم منافسيهم، وقد يكون ذلك الفراغ القانوني هو أحد الأطوار التي يجب أن يمر بها أي نظام ديمقراطي حتى يصل لمرحلة سيادة سلطة القانون، أي يكون ديمقراطية ناشئة، مازالت في أطوار النشوء حتى تصل مرحلة سلطة سيادة القانون، سلطة القانون هي مرحلة أعلى بأن تكون الأنظمة فيها وضوح، ويكون الجميع خاضعون تحت سلطة القانون، وفي المقابل هناك أنظمة سياسية شمولية، أي غير ديمقراطية، وتسود فيها سلطة القانون. هناك دول في مؤشرات الديمقراطية صفر، لكن لديها انضباط قانوني، مثل الصين، الصين إحدى الدول التي بها انضباط قانوني، حيث يجرم الأشخاص الذين يعبثون بالمال العام، وتوقع عليهم عقوبات مغلظة في تورطهم بفساد إداري أو مالي، وبالتالي مثل الصين في تركيبة نظامها السياسي مبنياً على الولاء للدولة، وليس مبني على اعتبارات أخرى، كعائلية أو الانتماء إلى نخبة معينة، بل حتى الحزب الشيوعي الصيني فيه تداول للسلطة، هناك تداول للسلطة ليس من خلال الانتخاب ولكن من خلال التوافق بحثاً عن مصلحة الأمة بشكل عام، يعني هناك تبادل للسلطة وفقا لضوابط وضعوها بناء على التوافق ليس بناء على الانتخاب من الشعب، وليست مصالح طبقة معينة، كذلك المؤسسات الشعبية تعاضد الحكومة، لكن هناك مخاوف من الأنظمة الديكتاتورية التي لا تنبثق من سلطة الأمة، هناك مخاوف أن تؤول بها الظروف إلى مصير الاتحاد السوفيتي، فمنذ نشأته كان مبنيا على نفس المبادئ، ومن ثم تحول إلى نظام دكتاتوري، وبدأت أجهزة الدولة تفشل، فبدأ الانفلات القانوني، ومن ثم انهيار النظام السياسي.
هناك ثلاث قيم مرتبطة بسلطة القانون:
-الانضباط بالقيم الدستورية، أي يكون هناك دستور يضبط سلوك الحكومة، ويحدد صلاحياتها، وهو بذلك يعكس مدى التزام الحكومة بالقوانين والتشريعات ويمنع قرارات وتدخلات الحكومة العشوائية والتعسفية في الشأن العام وشؤون الشعب ويؤكد على حريات الأفراد، فالحكومة دون دستور هي طغيان، أي نظام سياسي ليس فيه نصوص قانونية تحد من سلوك الحكومة ستتحول إلى نظام طغيان مستبد ينتهك الحريات والحقوق، فالحكومة دون دستور هي طغيان ينتهك حقوق الأفراد، وبالتالي يكون التزام الحكومة بنصوص دستورية تم إقرارها بالتصويت الشعبي، حل ناجح لتغول الحكومة ضد الشعب، ويعتقد البعض خطأ أن التزام الحكومة بالنصوص الدستورية نوع من القيود على سلوك الحكومة يفقدها المرونة الكافية لتحقيق العدالة لتوزيع الدخل، لكن انضباط الحكومة بمبادئ دستورية من شأنه تعزيز مبادئ الكفاءة والشفافية والمراقبة والمساءلة والمحاسبة مما يساعد الحكومة في تحقيق الأهداف بكل كفاءة وفاعلية ويمنع هدر الموارد العامة ونهب أموال الشعب.
-انضباط صناعة القرار: أن تكون قرارات الحكومة منضبطة بخطوط قانونية واضحة، وليس بقواعد وأعراف ضبابية مثل مقولة: ما يحقق المصلحة العامة، لا يكاد يكون هناك قرار لدينا يصدر إلا تجد في نصه ما يحقق المصلحة العامة، في حين تجد هذا القرار لا يعكس بالضرورة المصلحة العامة، وبذلك يتم القضاء على المحسوبية والقرارات التفضيلية التي تحابي أشخاص معينين، سلطة القانون تسمح للناس بوضع خطط لنشاطاتهم ومتابعة مراحلها حتى اكتمالها، وبالتالي تزيد سلطة القانون من تنسيق المجتمع، الذي يمكن من خلاله ضبط سلوك الأفراد، ويتنبأ الأفراد بعواقب أفعالهم وأقوالهم مما يحافظ على الحريات العامة ويعزز النجاح الاقتصادي.
-الالتزام بمبادئ الحياد: ويتضح ذلك في صياغة نصوص الدستور، وأحكام القضاء ومدى فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ونظام المقاطعات وصياغة، وتفسير نصوص الدستور.
سلطة القانون تقتضي فصل السلطات كأحد مبادئ الحياد وتطبيق نصوص القانون بالتساوي على الحالات المماثلة، والأهم من ذلك وجود قضاء مستقل من التدخلات والإكراه مما يساعد على خلق نسق مجتمعي. إن الخلل في الفصل بين السلطات يؤدي إلى الإخلال في مبادئ الحياد ومن ثم غياب سلطة القانون، والمحصلة النهائية فقدان الناس حرياتهم، عندما لا يكون هناك مبادئ الحياد يستطيع النظام السياسي التغول من خلال سيطرته على تعديل مواد الدستور بحيث تخدم مصلحة النظام السياسي وأيضا يستطيع التدخل في أحكام القضاء ومن ثم يصبح القضاء والدستور حاميا للنظام السياسي عوضا عن أن يكون حاميا لحقوق الناس وحرياتهم.
نريد أن ننظر على آثار غياب سلطة القانون، ما الذي نخسره بغياب سلطة القانون، غياب سلطة القانون أفقدنا في المقام الأول ليس فقط حرياتنا، بل عزتنا وكرامتنا وحقوقنا الأساسية، وأدى إلى فقدان المواطنين لحقوقهم، أنا أتحدى أي شخص أن يذكر لي ولو بجملة صغيرة ما هي حقوق المواطنين التي نصت عليها الأنظمة في هذا البلد، لا يوجد، والأسباب معروفة، وبالتالي هذا الغياب أدى إلى توتر علاقة الشعب مع الحكومة، التي تتوجس من تطلعات الشعب وتعتقد أن علاقة الشعب معها على التنافس وليس التعاون، جعل ذلك النظام السياسي يصر على نظام الطوارئ من نشوئها، كثير من الأنظمة الدكتاتورية حول العالم من نشأتها مبنية على أنظمة طوارئ، أحكام عرفية، ليس هناك انضباط قانوني، من ينتقد النظام السياسي يصبح عرضة للمحاسبة والمحاكمة، بل حتى للاعتقالات التعسفية، فلا يوجد دستور ينص على حقوق الشعب، وعلاقته بالحاكم، وليس هناك تقنين وضبط، وتحديد لصلاحيات الحاكم، مما أدى إلى استبداد الحاكم وتجاهله لشورى الأمة، هذه العلاقة المتوترة بين النظام السياسي والشعب أدت إلى وأد وتأجيل مشاريع تنموية بسبب تخوف النظام السياسي من تبعات وانعكاسات تلك المشاريع عليه، ليس بشكل عقلاني، أحيانا يبالغ النظام السياسي في توجسه من الشعب، فكل مشروع يطرح يعتقد بأنه سوف يشكل له مشكلة في المستقبل، والدليل على ذلك أن بلد مثل السعودية من أواخر الدول التي سمحت بالانترنت والهاتف الجوال، والسبب هو تخوف النظام السياسي من انعكاساته، بل ما زالت هذه الأطروحات موجودة، ولذلك غلظوا العقوبات على كل من يكتب حروف بسيطة في الانترنت، بل إنها في أعقاب المظاهرات العمالية في المنطقة الشرقية في خمسينيات القرن الماضي قررت أن لا يكون هناك طبقة عمالية محلية، سياسية بتر، يعني المظاهرات في شركة أرامكو للعمال الذين يطالبون بحقوقهم النظامية أدت أن لا تكون لدينا أي طبقة عمالية، يعني جلبوا عمالة معدنية للقضاء على العمالة المحلية وكل ذلك الخوف من النقابات والتنظيمات العمالية التي قد تهدد النظام السياسي .
تغول النظام السياسي في علاقته مع الشعب ومصادرته لحريات الأفراد وقمعه حقوق الإنسان الأساسية، كحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، التنكيل بكل من يكتب حرفا ويتفوه بكلمة جعل الأشخاص عرضة للاعتقالات التعسفية والتعذيب وصنوف المعاملة القاسية، اعتقادا منهم بأن هذه الوسيلة المضمونة في تركيع الشعب وإسكات خصوم النظام السياسي، ليس لديهم أي وسيلة في ظل غياب سلطة القانون إلا استخدام سلطة القانون.
لم يكتف اللصوص في النظام السياسي بنهب المال العام الذي يعتقدون بأنه ملك لهم فيما عدا الفتات الذي يصل المواطنين، بل اخترعوا وسائل نهب أموال المواطنين من خلال احتكارهم السلع التموينية الضرورية وما يمنحه لهم النظام السياسي في شكل إعانات ابتاعوها دون أن تأثر على الأسعار بل وفرضوا إتاوات على المواطنين والمقيمين تحت حجج ومبررات مكشوفة، ولعل نظام ساهر أكبر مثال على ما ذكرت. بل إن الغريب أن الرجل الذي يحتل المناصب القيادية في الدولة أصبح هو من يحتكر السلع أصبح تاجرا، هذا الخلط بين رجل السياسة ورجل التجارة أصبح أمرا واقعا، ليس إلا هذا من غياب سلطة القانون، بل وحتى التجار الموجودين المستقلين الذين لا يحتلون مناصب في النظام السياسي، أصبح لهم علاقة وطيدة بالأشخاص الموجودين في النظام السياسي من خلال الشراكات غير المعلنة. غياب حقوق الملكية أدت إلى الاعتداء عليها، خصوصا من قبل النافذين في النظام السياسي الذين يكتفوا ببسط نفوذهم على الأراضي العامة بل جاوزوها إلى سرقة أراضي المواطنين المملوكة لهم بحجج استحكام من خلال التلاعب بالتواريخ، مثلاً إذا كان أحد لديه صك، يأتي الحرامي بصك أقدم منه بالتاريخ حتى يسيطر على ممتلكاته، ولم يسلم من ذلك حتى المساجد، المساجد تهدم تحت حجة أنها عشوائية، لكن في نفس الوقت شبوك الأمراء التي احتلت البلد بطوله وعرضه بمليارات الأمتار المربعة ليست عشوائية، فلم يجرؤ على الاقتراب منها، فضلا عن إزالتها.
في هذا الوضع عجز القضاء عن حماية حقوق المواطنين في وجه تغول النظام السياسي والنافذين فيه، وأدى ذلك أن يكون أداة في أيديهم، يعني النظام القضائي بدل أن ينصف المواطنين، خصوصا الأطراف الضعيفة أصبح أداة في أيدي النافذين في النظام السياسي حتى يمتلكون المزيد من الأراضي العامة بل ويقوم بقمع المواطنين بل إن كبار الناهبين للأراضي يقولون لضحاياهم اذهبوا للشرع حتى ينصفكم مني، أصبح باستهتار هذا الشخص يقول اذهب إلى الشرع، لأنه يعلم أنه محمي من أحكام القضاء وأصبح بذلك القضاء عاجز عن المنازعات البسيطة بين المواطنين وقد ترجم ذلك العجز ما نشرته وسائل الإعلام البريطانية في بضعة أشهر أن السلطات السعودية رغبت في إنشاء محاكم لفض المنازعات التجارية في بريطانيا، هذا تطور حديث كما نشرت جريدة الفاينناشال تايمز قبل ثلاثة أشهر، بمعنى أنها غسلت يدها من القضاء.
انحدار مستوى الأمن في البلد إلى درجة خطيرة، ولا زال أشخاص يتغنون بالأمن والأمان، لكن هناك انحدار خطير في مستوى الأمن في البلد حتى أصبح المراهقون يحملون الأسلحة الرشاشة، ولا يترددون في استعمالها حال دخولهم في خصومة والكثير منهم يتمتعون بحصانة خصوصا أصحاب السمو وأصحاب السمو الملكي أو من لديهم حصانة من القضاء، هذه الحصانة تجعلهم فوق القضاء، بل وفوق القانون، حتى لو ارتكبوا جرائم ضد أبناء الشعب.
تردي كفاءة البيروقراطية الحكومية، أصبحت الأجهزة الحكومية بدل أن تسهل حياة المواطنين أصبحت تعقد حياتهم، فيأتي الشخص لمراجعة معاملة يمكنه إنجازها من خلال شبكة الإنترنت أو من خلال مكالمة هاتفية ، يأتي من أقصى الشمال أو الجنوب لمراجعة هذه الوزارة ليقول له الموظف راجعنا بعد أسبوع، وبالتالي هذا ناتج من عدم التزام الموظف الذي وضع لخدمة المواطن بأن يقوم بتقديم هذه الخدمة وهذا ناتج عن ضياع الحقوق في حين نفس الوقت هذا الموظف لا يأتي من الأشخاص النافذين في النظام السياسي بل هو يذهب بنفسه لإنجاز معاملته، هذا انقلاب كبير جدا في مفهوم الحقوق.
عدم تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع فأشخاص محددين يحصلون على فرص كاملة وأشخاص يحرمون من الحد الأدنى من الحقوق بل إن النافذين لم يكتفوا من تمكين من فرص بسيطة بل ابتلعوا حقوق شريحة كبيرة في المجتمع.
-تسبب غياب سلطة القانون في معاناة المواطنين من الفقر والباطلة وتدني نسب امتلاك المنازل وما تلك إلا لأسباب سياسية بحتة ترتبط بكون هؤلاء المتسببين فوق النظام والنظام السياسي ليس لديه التزام دستوري مع الشعب، يعني مثل ما ذكرت لكم هل هناك نص قانوني -أتمنى أن يقول لي شخص أنت مخطأ- ينص على حقوق المواطنين ما هي؟ والدليل على ذلك فشل المتسببين في برنامج السعودة. برنامج السعودة الذي أعلن عنه في أواسط التسعينات لماذا فشل، عندما وصل إلى مشاريع يملكها النافذون في النظام السياسي سعوا في إيقافه وإفشاله بل إنه لم يطبق لدينا برنامج الشهر العقاري الذي يوجد في كل دول العالم، من خلال الانترنت تستطيع أن يحدد من يمتلك هذه الأرض، هذا غير موجود والسبب أنه سيفضح كبار ملاك الأراضي الذين هم نافذين في النظام السياسي
– غياب حقوق المواطن، فليس له حقوق، وسيأتي وقت ستصبح حتى الجنسية من حق النظام السياسي سحبها، كما حصل في دويلات النفط المجاورة، التي هذي حق مكتسب، وليست حق ممنوح من قبل الدولة يقومون بحرمانه منها.
-انتشار العنف في المجتمع من خلال اعتداء الأفراد بعضهم على بعض، هذا سبب مباشر من غياب سلطة القانون يصبح اللجوء إلى العنف هو وسيلة إلى فض المنازعات.
-تدمير البيئة، بسبب غياب الضوابط القانونية في حمايتها لكون هذا التدمير يدر دخلا كبيرا على النافذين في النظام السياسي، ردم البحر والاستيلاء على الأرض ما هي إلا تدمير البيئة، تدمير الحياة الفطرية من خلال الصيد الجائر في السنوات الماضية، كل هذه من مسؤولية النظام السياسي، بل النقطة اللافتة للنظر ، أنه لا يوجد نظام سياسي يتملص من المسؤولية كما لدينا، يحدث إخفاق ومن ثم المسئول يتملص من المسؤولية ثم يلقي اللوم على الطرف الضعيف المواطن، المواطن هو المتسبب بالفقر، المواطن هو المتسبب في البطالة، المواطن هو المتسبب في المشاكل الأخرى، في حين هناك جرائم وقعت، ليست القضية قضية مخالفات بسيطة، هناك جرائم وقعت كما حدث في فيضانات جدة، من هو المسئول، لا يزال البحث جاريا عن المسئول، عن موظف صغير، يصبح كبش فداء، ولكن الشخص المسئول نحن نعرف من هو، وسيأتي يوم إن شاء الله يتم تقديمه أمام قضاء نزيه ليعلم ما هي المليارات التي سرقها في جدة وترك المواطنين يغرقون في مياه الصرف الصحي.
– في غياب سلطة القانون فشل وتخبط في السياسة الخارجية، وهو بسبب عدم وجود برلمان يرسم الخطوط العريضة للسياسية الخارجية، كل دولة لديها لجنة خاصة في البرلمان عن السياسة الخارجية، هذه اللجنة الخاصة هي التي تُساءل الأشخاص المسئولين عن السياسة الخارجية وتراقبهم وتستوضح منهم بعض النقاط، وهذا غير موجود، وبالتالي لا نعلم من يصيغ السياسة الخارجية في البلد، وبالتالي يوجد تضارب كبير جدا، يتخذ قرار ثم ينقض هذا القرار بقرار بعده بفترة بسيطة جدا، ما هي الخطوط العريضة للسياسية الخارجية في المستقبل؟، لا يوجد. علاقتنا بدول الجوار، علاقتنا بدول الربيع العربي، جميع هذه غير موجودة وغير واضحة، وهذا ما هو إلا نتيجة صغيرة جدا لغياب سلطة القانون، وبالتالي نتيجة غياب سلطة القانون هو الوضع المخجل الذي نحن فيه، والذي علينا حتى نغيره أن نعود لسلطة القانون لأنها هي التي ستلزم النظام السياسي بأن يكون ملتزم بحقوق الشعب وحماية الحريات وعدم الاعتداء عليها.

(٩) أسباب انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية – الدكتور محمد القحطاني
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه
لماذا انتهاكات حقوق الإنسان لدينا بهذا الشكل البشع والفظيع الذي يصل بالفعل إلى حد مستوى الجرائم ضد الإنسانية؟
عندما نقرأ تعريف المادة السابعة من اتفاقية روما التي أنشئت بناء عليها محكمة الجنايات الدولية والتي تقنن وتعرف ما هو مفهوم الجرائم ضد الإنسانية، وننظر إلى مستوى وبشاعة الانتهاكات التي لدينا بشكلها المُمنهج والبنيوي بمعنى أنها ليست حالات معزولة في مكان معين أو خلل في إدارة معينة أو في أشخاص معينين بل هو على نطاق واسع كما سنرى والتعريف شامل وجامع بحيث نوضح أن الانتهاكات هي بالفعل جرائم ضد الإنسانية خصوصا عندما تتبناها الدولة وليست هناك أية آليات لإيقاف هذه الانتهاكات . لذا محور القضية التي وجهت لأعضاء جمعية الحقوق المدنية والسياسية نجمت من عملهم الدؤوب في توثيق ورصد انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها إدارة المباحث العامة خلال السنوات الماضية والتي نجم عنها عشرات الآلاف من الاعتقالات التعسفية والعشوائية وما يمارس ضد هؤلاء المعتقلين مما وثقناه من تعذيب بشع وفظيع وإكراه على اعترافات وحرمان من الحقوق التي نصت عليها الأنظمة المحلية والمواثيق الدولية. ملاحقتنا تمت بسبب هذا الملف. هذا الملف أساسي لأنه إذا أوقفنا الانتهاكات وعالجنا الحالات الموجودة فلابد أن يحدث هناك تغيير سياسي يضمن ويواكب حقوق الناس.
مع الأسف الشديد ما يحدث في بلدنا هو نحر لمنظمة العدالة وليست هناك أية ضوابط تقدم للمتهم، الذين اعتقلوا حرموا من كافة حقوقهم لذلك كان التساؤل هل نصمت على هذه الانتهاكات أم نتقدم ونرفع الصوت وبالتالي لا نكون شركاء في التغطية على هذه الانتهاكات؟ اتبعنا خطوات طويلة وبدأنا برفع مئات الدعاوي أمام ديوان المظالم وتدخل وزير الداخلية السابق واتخذ قرار ووجه رئيس ديوان المظالم بأن لا يقبل القضايا بحيث لا تكون هناك جلسات تعقد ضد جهاز المباحث العام. اضطررنا إلى استخدام الآليات الدولية بما يعرف مجلس حقوق الإنسان وبالفعل هناك مجموعة كبيرة جدا صدر بحقهم ما يسمى رأي من مجموعة عمل الاعتقال التعسفي والتي رأت بأن اعتقال فلان وفلان هو اعتقال تعسفي وللأسف الشديد السلطات السعودية عادة لا ترد على مثل هذه الادعاءات. وكمثال احتل النظام السعودي المركز الأول بالاعتقالات التعسفية وحصلت على 21 رأيًا من خمسين رأي بالتالي 40 % وهذا دليل أن لدينا مشكلة كبيرة فيما يتعلق بالاعتقالات التعسفية ولم يتغير شيء حتى الآن. لا يصدر للمتهم مذكرة اعتقال ولا تمدد من قبل القضاء ويجلس المتهم بالسجن أشهر إن لم تكن سنوات طويلة ولا توجه له تهمة ولا يعرض على محاكمة ولا يعرف لماذا هو معتقل. نحن على فكرة نركز على الانتهاكات الجسمانية للشخص: الاعتقال التعسفي، التعذيب والاختفاء القسري، الحرمان من الحقوق، لكن في الحقيقة عند النظر لمنظومة الحقوق هي أوسع من الانتهاكات الجسمانية والنفسية والذي تولد عن جميع هذه الأمور الحرمان من الحقوق السياسية، أي أنها مرتبطة بالنظام السياسي. لماذا في الدول الديمقراطية لا نجد مثل هذا النوع الانتهاكات ؟ عندما سكت الناس عن حقوقهم السياسية في انتخاب الحاكم أو انتخاب النظام السياسي تولدت هذه الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان ..
بالتالي عندما يتكلم الناس عن حرمانهم من حقوقهم الاقتصادية وحق الاستقرار الاقتصادي والحق في الحياة الكريمة والحقوق الطبيعية الأخرى نجد أيضا مصدر انتهاكها هو النظام السياسي لذا لابد أن تكون الصورة واضحة بالنسبة لنا تماماً بالتالي فإن التنازل عن الحقوق السياسية أدى إلى التنازل عن بقية الحقوق وأدى إلى الانتهاكات البشعة التي سنتحدث عنها .
مصادر المعلومات بما يتعلق بالانتهاكات , بالسابق كان مصدر المعلومات هو عندما يعتقل احدهم تعسفياً ويسجن انفراديا ويتعرض للتعذيب ويُكره وقد يتعرض لشتى أنواع التعذيب , فعندما يخرج يبدأ يتكلم بنفسه للناس وبعضهم يتشجع ويبدأ بتوثيقها وبعثها للمنظمات الدولية وتبدأ المنظمات برصدها وشجعت كذلك وسائل الاتصال الحديثة مثل (الإيميل) وغيره , اعتقد أن النقلة النوعية في توثيق الانتهاكات هي التي حدثت في الثاني من رجب من عام 1428هـ ,وهو ما يعرف ببيان المعتصمات في بريدة واللاتي نشرن بيان مفصل بشكل دقيق عن الانتهاكات التي تمارس على أقربائهن وهي انتهاكات بالفعل بشعة ووجهن هذا الخطاب إلى مساعد وزير الداخلية محمد بن نايف , ولم يتم حياله أي شيء والذي يقرأ التقرير يجد فيه تفصيل دقيق من الضرب المبرح إلى التوقيف لفترات طويلة ومعاملات كثيرة يستطيع إيجادها من يبحث عن البيان على موقع (قوقل), المصدر الثالث والمهم أيضاً هو في عام 1420 هـ تقريبا أو عام 2000 م ,والذي كتبه الدكتور عبد المحسن العواجي الذي قام به بناء على أمر من وزير الداخلية الأسبق الأمير نايف وقام بعمل احترافي حيث وثق شهادات عشرات المعتقلين وما دار لهم داخل المعتقلات والسجون أثناء التحقيق من أعمال بشعة ولو يطلع عليه أحدكم يجد تفاصيل طويلة حيث تصل بعضها إلى درجة الاعتداء على الذات الإلهية, الدكتور أتى بمجموعة منهم ليشهدوا أمام الوزير السابق ووفقا للأمير وقف هؤلاء الضباط المتورطين في التعذيب فترة بسيطة جدا مع إجازة مدفوعة الأجر ثم أعادهم مرة أخرى للخدمة ليواصلوا التعذيب البشع بل أن بعضهم حصل على جوائز وأوسمة تكريم ,وأطلب من الجميع الاطلاع على تقرير الدكتور عبد المحسن العواجي .
ونحن عندما وصلتنا نسخة من التقرير طلبنا تشكيل لجنة للبحث والنظر في مثل هذه الانتهاكات وأرسلت لخادم الحرمين الشريفين قبل ثلاث سنوات وللأسف نحن نحاكم الآن بسبب هذا الإخطار .
العامل الرابع والحديث والذي قامت به جمعية الحقوق المدنية والسياسية والذي بالفعل فصل فيما يتعلق بالاتصال بذوي المعتقلين ووثقت الانتهاكات بشكل دقيق جدا, لدينا نقاط معينة لتوثيق الانتهاكات نسأل فيها الأسرة : هل قاموا بواحد أو اثنين وثلاثة من الانتهاكات وعادة تتطابق بشكل كبير جدا وبالتالي الإجراءات التي اتبعناها من مساعدة الأسر لرفع دعاوي قضائية أمام ديوان المظالم وتوثق مثل هذه الدعاوي , لدينا مذكرة أو استبانه تقوم الأسرة بتعبئتها وأيضاً مخاطبة الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان كوسيلة لرصد هذه الانتهاكات .
في تقرير الدكتور العواجي نجد هناك شهادات موثقة واضحة من المعتقلين تخبر أن الضباط يقولون أن هناك توجيه بتعذيبكم من وزير الداخلية الأسبق الأمير نايف بشكل صريح وهناك شهادات متواترة عن أن الضباط يحصلون على توجيه من مساعد الوزير محمد بن نايف وبالتالي لو كان هناك قضاء حر يسمع هذه الشهادات نحن مستعدين أن نقدمها أمامه ليسمعوا هذا الكلام .
مسألة المعتقلين أصبحت مسألة رأي عام لا يمكن لأي مسئول في الدولة أن لا يدري عنها , مسألة الانتهاكات أصبحت تنشر يومياً والحديث عنها في التقارير العالمية والدولية موجود وما تنشره جمعية الحقوق المدنية والسياسية كذلك موجود, لا يستطيع أي شخص أن ينكرها . بالتالي الخطابات التي أرسلت لخادم الحرمين الشريفين وولي العهد ووزير الداخلية ورئيس المباحث العامة عبد العزيز الهويريني من 13 رمضان عام 1432هـ تقطع الطريق على أي مسئول لينكر ذلك وفيها توثيق كبيرة بالأسماء عن الانتهاكات التي حدثت ونحن حملنا المسؤولية لجهاز المباحث وعلى رأسهم الفريق الهويريني ,وقلنا أنه إما أن يُقدم هذه العناصر الفاسدة وتخضع للتحقيق أو أنه يقوم بتقديم استقالته.
لماذا هذه الانتهاكات وصلت إلى هذه الدرجة من البشاعة والفظاعة؟ أولاً مصدر هذه الانتهاكات هو النظام السياسي بالتالي الاستبداد السياسي هو سبب مباشر لمثل هذه الانتهاكات , أصبحت الدولة غير ملتزمة أصلا أمام الشعب لحماية حقوقه والاعتداء على حقه أصبح أمر طبيعي سواء من حرمانه من مصدر الرزق وعدم الاكتراث فيما لو وجد وظيفة أو لم يجد وعندما سكت الناس عن المطالبة عن حقوقهم تجرأ النظام السياسي بالزج بأبنائهم في السجون بالتالي النظام السياسي هو السبب المباشر .
العامل الآخر وهو المصدر الذي يحتاج إلى بحث وتفصيل , علينا أن ننظر إلى الأنظمة التي مارست البشاعة في حق شعوبها ونرى ما هي السمات التي يتقاسمها النظام السعودي مع هذه الأنظمة ؟ مثلا عند النظر إلى نظام الفصل العنصري البائد في جنوب إفريقيا نجد بالفعل أن لدينا صفات نتقاسم فيها , ففي عام 1913 م أصدر قانون من الأقلية البيضاء التي تحكم جنوب إفريقيا آنذاك ما يسمى بقانون الأراضي The land reformوبناءا على هذا القانون يُحرم الأكثرية التي تصل إلى 90 % من الشعب من الأراضي وسيطرت الأقلية البيضاء على أكثر من 87 % من الأراضي وبالتالي عندما بدأ الناس بالمطالبة بحقوقهم, تم استخدام القضاء وأجهزة الأمن في التنكيل بمن يطالب ومنهم نيلسون مانديلا الذي تمت محاكمته في شبه محكمة لا تفي بالحد الأدنى من الحقوق وتم الزج به وزملائه في السجن مع بقية المطالبين , ولأن الناس بدؤوا يتحركون للمطالبة بحقوقهم قامت الأقلية البيضاء بتحريك الخطاب الديني الذي يرغب بتركيع الناس ونجد الكنيسة الهولندية the Dutch reform church في جنوب أفريقيا وضعت أطروحات جديدة تقول بأنكم أنتم يا ذوو البشرة السوداء قدركم أن تكونوا مستعبدين, هذا قدركم من رب العالمين وعليكم أن تركعوا لهذا القدر, وبالتالي هو نفس الطريقة , الخطاب الذي يطالب بالطاعة العمياء لولي الأمر وتجنب الناس المطالبة بحقوقهم , الاعتداء على الأراضي واستخدام الآليات القانونية والقضائية في التنكيل بالناس و استخدام الخطاب الديني لتركيع الناس بشكل أو بآخر , بالتالي هي نفس النتيجة .
في جنوب أفريقيا لديهم ما يسمى بالأقلية البيضاء التي كانت إلى وقت قريب تحكم البلد ولدينا كذلك النافذون في النظام السياسي والذين هم نخبة صغيرة جدا تتحكم هم وحاشيتها وشركاؤها في البلد وهم محصنون من أي ملاحقة قانونية , وبالتالي هذه الأنظمة القانونية والأجهزة الأمنية مهمتها ملاحقة الناس والتنكيل بهم .
عندما ننظر إلى مما يتشكل نظام الفصل العنصري وما هي أعمدة هذا النظام؟ هناك ثلاثة أعمدة رئيسية يرتكز عليها أي نظام فصل عنصري في العالم ونرى هل هذه الأعمدة تنطبق بالفعل على النظام السعودي أم لا!
الفقرة الأولى هي أن تضع الدولة تشريعات وقوانين تنص على وجود فئة مختارة , وتضع لوائح فرعية تضمن وضعية قانونية لهذه الفئة, ومن ثم توضع لها مميزات مادية بناءا على انتماءاتهم الشخصية لهذه الفئة المختارة في حين يكون هناك تمييز ضد بقية أفراد الشعب الذي يُحرم من كافة حقوقه لكونه ينتمي لفئة منحطة , ليس هناك قانون مكتوب حقيقة لهذا بطبيعة الحال لكن في واقع الحال هذا هو الموجود ولا يستطيع احد أن ينكر هذا الواقع .
أيضا هذا النظام السياسي يفصل الناس جغرافيا, هناك مواقع معينة يسكنها فئة معينة وفئات أخرى تسكن في جهة أخرى وهذه تنطبق لدينا من خلال تحكم هذه الفئة المختارة في الأراضي والمياه والموارد الأخرى والخدمات والمنافع الحكومية , وأيضاً هذه الفئات الأخرى المنحطة تحرم من الأراضي والمنافع الحكومية وغيرها.
العمود الثالث في نظام الفصل العنصري أن النظام السياسي يضع قوانين أمنية وسياسات تهدف إلى قمع أي معارضة للنظام, ومهمتها التنكيل بالشعب, المثال الواضح لدينا هو مشروع النظام الجزائي للإرهاب, هذا مثال واضح يوضع على أساس انه لحماية الدولة وللأمن ولكن في الحقيقة لو قرأت بنوده فإن مهمته هي قمع الشعب عن أي مطالبة بالحقوق السياسية, وهذه الأنظمة التي توضع مهمتها هي هيمنة الفئة المختارة على بقية فئات الشعب الأخرى وبالتالي عندما يوضع جهاز الأمن السياسي للمباحث العامة , قد يكون الهدف منه هو حماية الأمن العام لكنه في الحقيقة لحماية الأمن السياسي, ومن ثم يتبنى هذا النظام السياسي سياسات مثل الاغتيالات السياسية والاعتقالات الإدارية والتعذيب والمعاملة القاسية والغير إنسانية والمحطة للكرامة والسجن لهذه الفئة المنبوذة, جميع هذه الممارسات تُعفى منها هذه الفئة المختارة وفي حين تنطبق على هذه الفئة المنبوذة, فلو نظرنا إلى مثل هذه الأعمدة فيما لو كانت موجودة لدينا فالسؤال مفتوح للنقاش وإن لم تسمى بهذا الشكل ولكنني اعتقد أنها موجودة بالفعل .
العامل التالي , هناك من يقول أن ممارسة الأجهزة الأمنية لدينا تشابه بحد كبير ما يسمى بسلطات الاحتلال, وأنا أجد أن ما يمارس ضد الفلسطينيين من قبل سلطة الاحتلال الإسرائيلية ليس فقط شبيها بما لدينا بل أسوأ منها , قبل عدة سنوات كان نظام الاحتلال الإسرائيلي يصدر ما يسمى بالاعتقالات الإدارية, في الاعتقال الإداري يسجن الشخص بشكل مفتوح جدا , أتت المحكمة العليا الإسرائيلية وقالت هذا غير قانوني ويجب أن يلغى, في حين لدينا يؤسس للاعتقالات الإدارية وتُنشأ المحكمة الجزائية المتخصصة لهذا الشأن والمهم هو قمع الشعب , الآن قارن بين إسرائيل وبين ما يجري لدينا, إسرائيل ترى أن هؤلاء الفلسطينيين ليس لهم حقوق في حين أنت تقمع الشعب بالاعتقالات الإدارية بشكل أو بآخر .
المشروع المطروح في مجلس الشورى ما يسمى بتمديد هذا الاعتقال التحفظي بشكل مفتوح, ما هو إلا اعتقال إداري دون أي ضوابط قانونية ودون أي سقف زمني, عندما اضرب مجموعة من السجناء وأشرفوا على الموت , قامت السلطات الإسرائيلية بإطلاق سراحهم, حدث لدينا في نفس الفترة, قامت السلطات في أواخر شهر رمضان المبارك باقتحام السجن وقمع السجناء بطريقة بشعة وكثير منهم انتهوا في المستشفيات بطريقة همجية .
هذه مقارنة بسيطة فقط بين ما هو موجود كسلطة احتلال وبين نظام سياسي يعامل شعبه بسياسة الحديد والنار.
أيضاً , إسرائيل التي هي سلطة احتلال سمحت للمجتمع المدني الإسرائيلي أن يتشكل بجمعيات حقوقية تنتقد السلطات الإسرائيلية في ممارساتها, فنجد منظمة بيت شالوم تدافع عن ضحايا الاعتقال التعسفي من الفلسطينيين وضد هدم المنازل ولها تقارير تُنشر على مواقع الانترنت , لم تأتي الحكومة الإسرائيلية وتضع أعضاء منظمة بيت شالوم في السجون وتلفق لهم التهم كما يحصل لجمعية الحقوق المدنية والسياسية, وبالتالي هذه المعاملة البشعة من قبل هذا النظام تفوقت على نظام الفصل العنصري وتفوقت على سلطات الاحتلال بشكل كبير جدا.
إذا كانت إسرائيل قد طبقت ما يسمى بالجدار العازل البشع, وواجهت انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية حول العالم, فنحن نواجه ما هو أسوأ من ذلك فإن مناطقنا ومساكننا الآن تحاط بالأسلاك الشائكة, إذا كان لدى إسرائيل الجدار العازل فلدينا الشبوك, هذه الشبوك التي حرمت حتى الحيوانات من أن ترعى وتحصل على العشب بشكل كبير.
سأخبركم قصة مضحكة حدثت مع المحقق الذي يقول لي : لماذا أنت تتكلم عن التعذيب لدينا ولا تتكلم عن التعذيب في أمريكا في معتقل غوانتانامو, فقلت له: أيها المحقق ألا تعرف الفرق بين ما يمارس لدينا وما يمارس في غوانتانامو؟ السلطات الأمريكية تعتبر هؤلاء الأشخاص أعداء, فهل تنظر إلى شعبك بنفس النظرة بأنهم أعداء لك؟ وهذا لا يبرر على فكرة الانتهاكات في الولايات المتحدة الأمريكية, فالخطأ خطأ , فقال لي: احمد ربك أنكم لستم موجودين أمام الأنظمة الظالمة الموجودة في العالم العربي التي تمارس التعذيب بشكل بشع, فقلت له: هل هذا هو نموذجك الذي تنظر إليه؟ يجب أن تنظر في أعلى السلم لا في أسفله.
العنصر الرابع : التعامل مع الأنظمة الفاسدة في نقل تجارب التعذيب إلى بلادنا , منذ فترة بسيطة كان التعذيب البشع يعتبر منبوذ بالنسبة لنا ولا نعرف عنه الشيء الكثير, لكن نحن جلبنا الخبرات من الأنظمة القمعية التي بالفعل أضاءت الطريق أمام المجرمين في تعذيب الناس, فجلبنا زكي بدر وزير داخلية حسني مبارك سيء الذكر ليصبح مستشارا في وزارة الداخلية, وبعد مرور سنوات, هاهي الحكومة السعودية تتعاقد مع عمرو سليمان الهالك قبل وفاته ببضعة أشهر و عندما انكشف أمره وبدأت الصحافة المصرية تضج فقالوا: لا والله هو جاء لأداء العمرة (بس إحنا وضعناه في طياره خاصة وعاد مره أخرى), في الحقيقة كانت هناك نية لأن عمرو سليمان يعتبر اعتقد عنصر جيد جدا يضاف إلى سجل وزارة الداخلية في القمع والتعذيب, بل أننا جلبنا خبراء نظام زين العابدين بن علي المعروفين في التعذيب, أكبر الخبراء الذين درسوا في وزارة الداخلية ودرسوا مسئولي التعذيب تحت وزارة الداخلية هم خبراء زين العابدين بن علي, بل هناك عنصر مهم تغفل الناس عنه كثيرا وهو لماذا أطباء السجون لدينا جميعهم من المؤسسة العسكرية الباكستانية الفاسدة؟ لماذا؟ حتى تغطي على التعذيب فعندما يأتي شخص معذب وينظر إليه الطبيب فهذا العنصر الفاسد الباكستاني يغطي على هذه القضية فلو كان طبيبا يحترم مهنته لفضح مثل هذه الإجراءات .
العامل الخامس: لدينا يتم التسويق للقمع والتعذيب بأنه للحفاظ على الأمن والأمان , يبطش بالناس ويقمعون والهدف هو لحماية النظام السياسي ويُلبّس بأنه لحماية الأمن والأمان .
العامل السادس هو تضخم دور وزارة الداخلية وبالتالي همشت القضاء وأصبح بلا أية قيمة, وتجاهلت أحكامه وصنعت محاكم تابعة لها فعليا وهي المحكمة الجزائية المتخصصة وكذلك هيئة التحقيق والادعاء العام تابعة لها وبالتالي تُرك المجال لجهاز المباحث العامة ليعيث في الأرض فسادا دون أن يوقفه أي شخص, وفي ظل تقاعس السلطة القضائية بالقيام بدورها المتمثل في رقابة السجون , عندما يأتي شخص الآن متعرض للتعذيب مثل أخونا محمد الدوسري (أبو جمعان) الذي تعرض لتعذيب بشع , من هي الجهة التي ممكن أن تستمع لدعوى الأستاذ محمد الدوسري؟ لا أحد! وعندما يتقدم بدعوى إلى ديوان المظالم فإنها تحال إلى وزارة الداخلية ووزارة الداخلية قد تحيلك إلى المحكمة الجزائية المتخصصة التابعة لها وبالتالي لا يوجد رد . لماذا هم يرفضون المحاكم العلنية؟
لأن هذه المحاكم ستكشف التعذيب وتكشف أسماء المحققين المتورطين في التعذيب وتكشف السجانين والقضاة الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية .
العنصر السابع هو غياب مؤسسات المجتمع المدني , ما هي مؤسسات المجتمع المدني التي يمكنها أن تفضح مثل هذه الانتهاكات ؟ مع الأسف الشديد قليلة أو لا توجد لذلك الدولة الآن تراوح في مسألة الترخيص لمؤسسات المجتمع المدني لأنها تعرف أن وجود مثل هذه المؤسسات الحقوقية المستقلة ستكشف مثل هذه الانتهاكات.
أيضا اعتماد النظام السياسي على نفس طريقة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا على الخطاب الديني , الخطاب الديني يلعب دور كبير جدا في هذا الشأن , سأعطيكم فقط مثال, بالأمس أصدر أحد أعضاء هيئة كبار العلماء فتوى بأن التلاعب أو التحايل على نظام ساهر حرام, طيب ( ليش) يا شيخ؟ الجواب: والله فيها عصيان لولي الأمر, لماذا لا تنظر إلى نظام ساهر على أنه وضع لنهب المواطنين بطريقة واضحة لا تحتاج لتفكير؟ لماذا لا تنظر يا شيخ إلى المنكرات السياسية؟ هؤلاء القابعين في السجون دون أية ضوابط, لماذا لا تنظر لهم؟ أسرعت لإصدار فتوى في هذا الشأن لتجريم أعضاء لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في عام 1993م , وبناءا عليها فصل أعضائها من أعمالهم وسجنوا, ثم تصدر فتوى في عام 2011 م تمنع فيها المظاهرات وكل ذلك خدمة للنظام السياسي, ألا تصدر فتوى واحدة تقف فيها مع الشعب في هذا الظلم الذي يقع عليه؟ لماذا لا تصدر هيئة كبار العلماء فتوى تحرم وتجرم فيها الاعتقالات التعسفية؟ لماذا لا يكون هناك فتوى تحرم التعذيب داخل السجون؟ هذا دور يجب أن يقوم به المثقفون والعلماء في الفلك.
الأمر الآخر في الخطاب الديني أنه اقنع الناس بالصمت عن الانتهاكات , أي أن أسكت عن الانتهاكات التي حدثت لي صبرًا واحتسابًا لله سبحانه وتعالى؟ , ألا تعلم أنك عندما تتحدث عن هذه الانتهاكات فأنت تحمي شخص آخر بريء قد يقع في نفس الانتهاكات؟ وبالتالي هي علة غير مقبولة فالحديث عن الانتهاكات عامل مهم جدا .
العامل التاسع هو الاقتصاد الريعي الموجود لدينا, الدولة نجحت بأن يصبح جميع المواطنين موظفين لديها’ لا تحبذ أن يعمل الناس في القطاع الخاص, حتى تستطيع التحكم في مصادر أرزاقهم , وكل من يتكلم وينبس ببنت شفة يُفصل من وظيفته , لذلك أصبح الناس يسكتون ليس لأنهم لا يعلمون بالانتهاكات بل هي موجودة ويعرفونها ولكن ليحافظ كل منهم على مصدر رزقه , بل أن حتى الأنظمة الدولية أصبحت تجامل هذا النظام وتسكت عن انتهاكاته لرغبتها في الاستفادة من الموارد النفطية والعقود المتوردة من الدخل النفطي, لكن هذه الأنظمة ترتكب خطأ شنيعا , لماذا؟, لأن هذه الانتهاكات الموجودة هي خزان للعنف والتطرف المنتشر حول العالم , ولو تنظر لمعادلة بسيطة جدا فإن هذه الدول التي تحارب الإرهاب حول العالم ووضعت الميزانيات بالتريليونات , لو تحسب ما استفادته من هذه الأنظمة الفاسدة لفاقت الكلفة ممكن بعشرات المرات كلفة ما استفادته طيلة هذه السنين .
العامل العاشر هو غياب روح التعاون لدينا مع الأسف الشديد نحن لا ندافع عن حقوقنا إلا عندما تمس حقوقنا الشخصية , لا نتعاون حتى نرفع الظلم عن شخص آخر, أنا عندما أتحدث مع أشخاص فيقول لي أحدهم ما هي مصلحتي من توقيع خطاب أو بيان أو فضح لمثل هذه الانتهاكات ؟ هو لا يعلم أنه يدافع عن نفسه في المقام الأول أو عن أطفاله أو عن الأشخاص الآخرين, أيضا النظام السياسي لديه آله إعلامية هائلة لتزييف الوعي, عندما تكلم ذوي المعتقلين في قناة الحوار قبل بضعة أسابيع عن الانتهاكات , نجد قناة العربية تحضر لبرنامج كبير جدا للرد عليهم بشكل أو بآخر , هذه الآلة الإعلامية بوجود أشخاص يتلبسون اللباس الإعلامي المحترف وما هو إلا شخص محسوب على الأجهزة الأمنية يقوم بتلبيس الحق بالباطل .
من هو المسئول عن هذه الانتهاكات؟ المسئول الأول هو النظام السياسي بأسره لأن القاعدة تقول من لديه السلطة والصلاحية لإيقاف هذه الانتهاكات ولم يفعل فهو مذنب, ولدينا توثيق دقيق لما قام به جهاز المباحث سواء القتل تحت التعذيب ومنهم من ذكرنا أسمائهم سواء في بياناتنا السابقة ومنهم المعتقل اليمني سلطان محمد عبده التعيس أو عبد الرحمن البحيران من أهل الجوف, خالد الرزني من القصيم ومحمد العاصمي القحطاني من أهل الشرقية, هؤلاء الأشخاص تم قتلهم في سجون المباحث ولم تحرك السلطة القضائية ولا هيئة التحقيق والادعاء العام ولا أي جهاز في الدولة على الأقل بحث في هذا الشأن ونحن خاطبناهم لتشكيل لجنة تقصي حقائق لهذه الانتهاكات ولم يفعلوا بل على العكس قاموا بمتابعة المبلغين,
العمل الآخر هو عدم انصياع جهاز المباحث لأحكام القضاء ولا تقوم بتطبيق أي منها وحتى المحكمة الجزائية المتخصصة تصدر حكم بإطلاق سراح شخص ثم يرفض جهاز المباحث وبل أن وزارة الداخلية أسست لجنة شرعية تعتبر فوق القضاء حتى وهي التي تقرر متى يتم الإفراج عن الشخص حتى لو قضى فترة عقوبته وهي تدار بواسطة جهاز المباحث و وزارة الداخلية بشكل أو بآخر.وهناك حالات قضت ثلاث أضعاف الحكم الصادر عليهم وبعض الحالات تسع أضعاف ومازالوا في السجون, وهناك من المساجين من يصاب بعاهات وأمراض نفسية وجسدية من جراء التعذيب وكلنا رأينا ما حدث لمراد المخلف وصالح المهوس وحمود الحويطي وياسر السابح وغيرهم من الأسماء والمواطن الكويتي ناصر بن نايف الهاجري الذي وثق ما حدث له في سجون المباحث من تعذيب . وكذلك حرمان المعتقلين المصابين بأمراض مستعصية من تلقي العلاج ومنهم المعاق وكأن جهاز المباحث يحكم عليهم بالإعدام دون وجود محكمة .
المسئول الثالث هي هيئة التحقيق والادعاء العام وهي شريك في هذه الانتهاكات لأن لديها الوسيلة لإيقاف هذه الانتهاكات ونظامها يوضح من المادة الثالثة الفقرة (و) هو إشرافها على السجون ومتابعة مثل هذه القضايا والمادة 39 من نظام الإجراءات الجزائية أيضاً يعطيها الحق في الإشراف على السجون ومنع التعذيب , وهي تحرم المتهم من كافة حقوقه الشرعية وفق النظام بالتحقيق معه سواء بوجود محامي أو بدونه, والدليل ما حدث لزميلنا عيسى النخيفي , الرجل اعتقل لأنه أرسل خطابا لوزير الداخلية يوضح في فساد إمارة جيزان فاستخدموا ضده قرار 1900 الفقرة الثالثة بأن تمدد فترة اعتقاله بسبب الإرهاب والمساس بأمن الدولة, مع أنه يطالب بتطبيق المادة 120 من نظام الأحكام الجزائية التي تسمح له أن يخرج بكفالة حتى يأتي موعد المحاكمة , وما حدث أيضا لصالح العشوان الذي تم اعتقاله وأوتي به لهيئة التحقيق والادعاء العام فادعت الهيئة أنهم سلموه للمباحث (وذلك لكي تحرمه من حقوقه).
أيضاً عامل مهم بشأن هيئة التحقيق والادعاء العام , الشخص يعتقل ويحقق معه جهاز المباحث داخل السجون أي أنه ليس أحد المحققين من الهيئة ثم تقبل هذه التحقيقات المخلة بالحقوق وقد تكون انتزعت عن طريق الإكراه, ثم في بعض الحالات بعد عشر سنين تقوم الهيئة بتوجيه لائحة اتهام ضده , فأين المدعي العام طيلة هذه العشر سنين؟
وعندما يأتون ذوي المعتقلين لإبلاغ المدعي العام بهذه الانتهاكات يرفض استلام هذا الإبلاغ بل أن ما حدث في سجن الحائر السياسي في أواخر شهر رمضان عند إبلاغه بذلك , ما كان عنده إلا أن يطردهم من مكتبه .
ومن الطريف لدى هيئة التحقيق والادعاء العام أنهم يأتون بمعلومات تم الحصول عليها من خلال تجسس جهاز المباحث أي أنهم يستمعون لما يدور لديك من أو عبر ما تتفوه به أمام الناس ثم يدرون من خلال عملائهم السريين المنتشرون في طول البلاد وعرضها ثم يؤتى بها ليحقق معك! فيا أيها المحقق المبجل من أين أتيت بهذه المعلومة؟ فأنت أيضا خالفت نظام الإجراءات الجزائية بالمادة 40 التي تنص صراحةً على حماية خصوصية المتهم , وبالتالي هناك تواطؤ واضح ضد المتهم من قبل هيئة التحقيق والادعاء العام .
ولدى هيئة التحقيق والادعاء العام دور خطير في التغطية على انتهاكات جهاز المباحث ولدينا أدلة وشهادات على هذه الناحية, ما حدث للمواطن الذي قُتل في سجن المنطقة الشرقية عندما أتت عناصر لمحققين من هيئة التحقيق والادعاء العام ليحققوا في قضيته فبدلاً من أن يجدوا الأشخاص المسئولين ويقدموهم للمحاكمة , حرصوا على إرغام ذوي المتوفى على أن يقوموا بتوقيع تعهد بأن والدهم مات في ظروف طبيعية ! لماذا لا تحققون خصوصا أن الرجل مات في السجن؟
وأيضاً ما يوضع في الدولة الآن من أنظمة يفترض أن تكون للتنظيم, نجد أن المدعي العام يستغلها , بمعنى أن نظام الجرائم المعلوماتية الآن أصبح وسيلة طيعة أمام المدعي العام ليركبها ضد أي شخص فحتى لو تكتب 140 حرف على تويتر بإمكانهم أن يجرموك عليه.
الوسيلة الرابعة هي المحكمة الجزائية المتخصصة , أنا اعتقد أن هذه فضيحة للنظام القضائي الإسلامي والنظام السعودي على كل النشطاء الحقوقيين أن يفضحوها ويدونوا أسماء قضاتها مع الأحكام التي صدرت منهم لأنه ليس ببعيد أن يتمثل هؤلاء القضاة أمام قضاء حر وعلني مرتبط بالشعب وقريب إن شاء الله سيتذوقون من نفس الكأس.
ومع كل هذا مازلنا نجد هيئة كبار العلماء تسكت عن هذه الانتهاكات بل وتصدر فتاوى تخدم هذا النظام السياسي, فإن لم تصدر حالاً هذه الهيئة فتاوى تجرم فيها وتحرم التعذيب فهي بكل صراحة شريكة في هذه الانتهاكات.
العنصر الذي يليه هو للمفكرين والأساتذة في الجامعات, هؤلاء يجب أن يتكلموا والتاريخ لن يرحمهم , وأيضاً رجال الإعلام الحر مسئولين عن كشف هذه الانتهاكات وفضحها أمام الرأي العام, وكذلك هيئة وجمعية حقوق الإنسان برؤسائها وأعضائها والمسئولين فيها مسئولين فيها مسؤولية مباشرة, مع الأسف سقطت سقطة الهيئة والجمعية عندما صادقت على الأرقام التي أعطتها وزارة الداخلية وهي أرقام مزورة ولدينا الدليل بأنها مزورة , خلال أشهر بسيطة جدا تدعي الجمعية والهيئة أنها طافت على جميع الثقوب السوداء ويقصدون بها سجون المباحث وأنها رصدت المجموع بالعدد هكذا, هذه كذبة ولذلك هي سقطت وأطلقت عليها هيئة وجمعية حماية انتهاكات حقوق الإنسان وهي بالفعل كذلك وعليها أن تبرئ ساحتها بفضح هذه الانتهاكات, نحن لا نريد من الهيئة والجمعية مخاطبة وزارة الداخلية بل نحن نستطيع مخاطبتهم وذوي المعتقلين ذكروها صراحةً في لقائهم مع الأستاذ بندر العيبان قالوا نحن لا نريدكم أن تخاطبوا بل إن لديكم القوة والصلاحية أن تشتكي جهاز المباحث أمام ديوان المظالم بأنه ينتهك حقوق الإنسان ونحن نتمنى أن يحدث هذا الموقف قريباً.
أيضا المجتمع الدولي مسئول , المجتمع الدولي الذي ينادي بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية هو مسئول عن ما يحدث داخل هذا البلد, تسارعت الدول الخارجية في تجريمنا وملاحقة أبناننا وإيقافهم في المطارات والتضييق عليه وأما النظام السياسي هنا فهو لاشيء وكأن الشعب هو المجرم والمذنب وأما الذي يتخذ القرارات بإرسال أبناننا في حروب الوكالة ويضعهم في السجون والذي يلقنهم الخطاب الديني المتشدد والمتطرف هو بريء !
الختام : تسليط الضوء على المادة السابعة من نظام الجرائم ضد الإنسانية والتي توضح لك هل ما يحدث لدينا هو انتهاك أم لا , تقول المادة السابعة من اتفاقية روما ولائحتها التفسيرية والتي تنص على “إن الجرائم الإنسانية هي اعتداءات مقيتة تحديدا من حيث أنها تشكل اعتداء خطير على الكرامة الإنسانية و أنها تشكل إذلالاً جسيما أو انحطاطّا بكرامة فرد بشري أو أكثر, وهي ليست حوادث معزولة أو متفرقة ولكنها جزء إما من سياسة حكومية أو ممارسة واسعة من الفظائع التي يتم التغاضي عنها من قبل الحكومة والسلطة القائمة” وهذا هو الوضع لدينا .
إضاءات على المستقبل : ما لذي سيحدث في ملف المعتقلين ؟ وما الذي سيحدث في ملف الاعتقالات التعسفية؟ من كان يعتقد أن النظام السياسي سيتنازل ويُفرج عن المعتقلين السياسيين طوعا ويوقف الانتهاكات فهو واهم وهذه هي الأسباب:
ما يصلنا من معلومات أن جميع السجون السياسية الآن يتم توسيعها لأن مع وصول إرهاصات الربيع العربي لدينا سيبدأ النظام السياسي في ظل رفضه للإصلاحات السياسية بقمع الشعب لتركيعه حتى لا يطالب بحقوقه وأيضا انتشار موجة الوعي سيدفع بالمزيد من الاعتقالات وسيدفع بالمزيد من القمع , وأيضاً عدم وجود ضغط شعبي أو دولي , نحن بدأ لدينا الوعي الشعبي في التصاعد لكن ليس هناك أية ضغوط شعبية لإنهاء هذا الملف بل أنا اعتقد أن موجة القمع سوف تزداد لهذا السبب وسترون أشياء ومفاجآت تنكشف فيها السلطة بشكل كبير,والأيام حُبلى وسترون النتيجة .

(١٠) إرهاصات الربيع العربي والمستقبل السياسي للجزيرة العربية – الدكتور محمد القحطاني
في الحقيقة هذا سؤال يطرح نفسه دائماً ، ما هو مستقبل هذه المنطقة؟ وأنا تجنبت ذكر دول الخليج لأن حقيقة بعد المدة الطويلة في ما يسمى بمجلس التعاون الخليجي والتي أراها تجربة فاشلة بعد هذه التجربة الطويلة لأكثر من ثلاثة عقود والربيع العربي يطرق الأبواب ماذا قدموا؟ قدموا اتفاقية أمنية سرية مهمتها قمع حرية الرأي والتعبير والتآمر على أبناء المنطقة، وهم لم يتعلموا الدرس حقيقة ولو نعود إلى الوراء قليلاً لو تذكرون ما يُسمى بميثاق الشرف العربي والذي كان في ٢٠٠٦ م,والذي انزعج الناس منه كثيراً وأصبح بشارة خير لأن هذه الأنظمة التي دفعت بما يُسمى ميثاق الشرف العربي (وهو ميثاق اللاشرف العربي ومهمته مصادرة حرية الرأي والتعبير)تهاوت وسقطت والحمد لله وانفرط العقد، وأسقط الربيع العربي هذه الأنظمة الفاسدة التي كانت تحاول التآمر على الشعب والمنطقة، وبالتالي أنا شخصياً لا أفتخر وأقولها بصراحة بما يُسمى بالشخصية الخليجية. هذه الشخصية التي صنعتها دويلات قائمة على اتفاقية أمنية أصلاً وقعتها دول لديها هلع أمني لم ترتقي لأن تكون دول مستقرة ليس لهذه الدول أي مشروع حضاري المشروع الموجود هو مشروع بقاء هذه الأنظمة في السلطة واستئثار نخب معينة بخيرات المنطقة وتهميش للشعب وبالتالي علينا أن نركز على شخصيتنا المبنية منذ آلاف السنين التي تنطلق من الجزيرة العربية، الجزيرة العربية هي مهد حضارتنا العربية هي منبع الإسلام، وبالتالي إذا لم تقدم هذه الأنظمة مشروعاً حضارياً فعلينا أن لا نفتخر بانتمائنا إليه وبالتالي هذه هي الحقيقة التي علينا أن ننطلق منها لذلك قبل بضعة أيام قدموا وثيقة أمنية وقع عليها وزراء الداخلية مهمتها بالفعل تكميم الأفواه ومصادرة الحريات العامة.
دعونا نعود للوراء قليلاً لنعرف كيف وصلنا إلى هنا، سأقدم لمحة تاريخية، أنا لست مؤرخ لكني أعشق التاريخ لسبب معين حتى نعرف كيف وصلنا إلى هذه المرحلة ومن ثم نتصور لننطلق إلى المرحلة القادمة إن شاء الله فيما بعد الربيع العربي، وتصورات كيف يكون شكل المنطقة وفي اعتقادي أن الشكل النهائي موجود لكن البعد الزمني كم يكون وأيضاً الكلفة ما هي الكلفة في وصول هذا التصور النهائي، ولو نعود قليلاً إلى بداية الربيع العربي دار جدل كبير جداً، لماذا حدثت هذه الثورات في بلدان معينة؟ والسؤال الثاني هل هناك أنظمة محصنة من الربيع العربي؟
ومنذ طرح هذه الأسئلة تجد في وسائل إعلام هذه البلدان تبريرات ساقطة، يطرحون تصورات أن الملكيات هي أكثر استقراراً من الجمهوريات العربية وباعتقادي هذا الطرح ساقط لثلاثة أسباب، أولاً: بالنسبة للملكيات العربية لا فرق بينها وبين الجمهوريات ترى الفرق بالتسميات هي أنظمة استبدادية مبنية على الظلم والطغيان في الملكيات والجمهوريات.
ثانياً: أن رحى الربيع العربي وإن كانت تأخرت قليلاً فإنها ستقضي على كل الطغيان في المنطقة. وسيصل زمن ستكون أنظمة الاستبداد معدومة في المنطقة العربية وتصبح نشاز لن يكون لها وجود وسيكون هذا الزمن قريب جداً لنقل في
٢٠٢٠ م أو بعد ذلك في سنوات.
ثالثاً: إن الرحى مستمرة وان تأخرت قليلاً والدليل أنها وصلت للملكيات في الأردن، وبالنسبة للسؤال الثاني هل هناك أنظمة محصنة من موجات الربيع العربي؟ أنا أعتقد أنه لا يوجد أي نظام محصن ومن يقول غير ذلك فهو واهم والأنظمة المستبدة وضعت هذه الكذبة وصدقتها وفي الحقيقة لا عاصم من هذا الموج إلا الاعتصام بسلطة الشعب. وقبل أن ننظر للمستقبل سنأخذ لمحة تاريخية قصيرة كيف وصلنا لهذه النقطة؟
لو تنظر للمنطقة العربية بشكل عام كانت حتى مطلع القرن العشرين تحت السلطة العثمانية وتجد التقسيمات الموجودة إلى حد قريب هي التقسيمات العثمانية حتى نجد كانت تابعة للإحساء التابعة للواء بغداد في تبعيته للإمبراطورية العثمانية وأتت مرحلة ضعفت الدولة العثمانية وأصبحت تُسمى برجل أوروبا المريض، وبالتالي أصبح هناك مطامع من القوى الاستعمارية لتفتيت هذا الجسد والدليل على ذلك إرهاصات سايكسبيكو سنة ١٩١٦ م مع بداية الحرب العالمية الأولى.حصل بعدها ما يسمى بالثورة العربية الكبرى والتي قامت بدعم من بريطانيا العظمى وبعدها تقسيم المنطقة التي خضع قليل منها للنفوذ الفرنسي والكثير للنفوذ البريطاني وكانت الجزيرة العربية تحت النفوذ البريطاني وفي الوثائق البريطانية كان الاهتمام فقط بالسواحل كعدن ومدن الخليج العربي، و في الحجاز كان الشريف ,لكن بريطانيا كانت مسيطرة على شواطئ الخليج العربي بحجة قمع ما يسمى بالقراصنة، الحجة التي تطرح لبسط النفوذ أن هناك قراصنة وعلينا السيطرة على هذه الشواطئ وهي نفس حجة فرنسا لاحتلال شواطئ شمال أفريقيا في القرن التاسع عشر بترحيب من الولايات المتحدة الأمريكية، ولو تقرأ في التاريخ كان ما يُسمى بساحل البرابرة مصدر إزعاج للسفن الأمريكية التي تنقل بضائع إلى أوروبا ومن المفارقات في التاريخ أن الولايات المتحدة كانت تدفع شبه جزية للبرابرة حتى لا يهاجموا سفنها لكن في قلب الجزيرة العربية كانت صحراء قاحلة ليست مهمة لهم، كان اهتمامهم بالشواطئ وعدن نقطة ارتكاز وكانت خاضعة للإمبراطورية الهندية وكانت الإدارة العربية في القاهرة تخضع لها وأيضاً المندوب السامي في بوشهر وبغداد كان مشرف على المنطقة.
لذلك كانت المهمة الإبقاء على أنظمة قائمة حتى لا تكون هناك فوضى .
استمر الوضع على ما هو عليه حتى الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب العالمية الثانية ضعف النفوذ البريطاني مقابل النفوذ الأمريكي، ولو استقبلت بريطانيا من أمرها ما استدبرت لما تخلت عن الثروات الهائلة التي لم تكن تعلم عنها في باطن الأرض. الأنظمة الملكية في المنطقة قامت بطريقة لم يرتب لها وقامت عليها ثورات في بداية الخمسينات كما تعلمون كانت انقلابات عسكرية حلت محل الملكيات بدءاً بالثورة المصرية في ٥٢ م ,والثورة في العراق وغيرها .و كانت أنظمة عسكرية لبست لبوس القومية والبعث ولكن في الحقيقة جوهرها عسكري، الجزيرة العربية لم تكن بمنأى عن هذا التغيير بدليل ثورة ١٩٦٢ م التي أطاحت بحكم الإمام في اليمن كانت ثورة عسكرية بدعم من مصر، وانزعج الملك فيصل من هذه الثورة وبدأ يعد العدة و وعد بأن يعيد الإمام وبالتالي وضع حشود عسكرية في نجران و إذاعة مكة لتوصيل الرسائل لليمن وكان هناك ترتيب معين لإعادة الإمام لليمن كما وعد الملك فيصل ,وكتب عبد العزيز المعمر السفير السعودي لدى سويسرا حينها رسالة شهيرة للملك فيصل يقول للملك فيصل عليك أن تترك اليمن تتحول إلى جمهورية هذا هو الواقع فغضب الملك فيصل وسجنه لعشرات السنين ولم يخرج إلا بعد وفاة الملك فيصل.
التحولات في اليمن تحولت لمواجهة بين المملكة بقيادة الملك فيصل ومصر بقيادة جمال عبد الناصر وصُبغت بشكل صراع أيدلوجي بين ما يسمى بالتضامن الإسلامي والأجندة الإسلامية بمواجهة الناصرية أو القومية العربية والحقيقة انه كان مشروع ايزنهاور لمواجهة اليسار أو المد الماركسي فقد كان هناك هلع من وصول المد اليساري للمنطقة لذلك كانوا يحتاجوا لأيديولوجيا قوية لمواجهة هذا المد ونشأ حلف بغداد، ومن المبادئ التي وضعت في مبدأ ايزنهاور عام ٥٨ م أن يُقوى ما يسمى بالأيدلوجية الإسلامية في المنطقة لذلك جلب الإخوان المسلمين الذين تم طردهم من مصر وسوريا وأنشئ لهم معاهد وجامعات، وحتى في تلك الفترة لم تسلم المنطقة من الثورات كان هناك ثورة ظفار في أوائل السبعينات في عُمان. الذي حدث بعد وفاة جمال عبد الناصر خف المد القومي والمد اليساري وبقيت الأنظمة في الجزيرة العربية دكتاتوريات همها البقاء لا تختلف عن الأنظمة العسكرية في العالم العربي تصادر الحريات وتهمش الشعوب وتنهب الثروات وتقوم بحروب بالوكالة ولا يخفى عليكم دعم الحرب العراقية الإيرانية بمليارات الدولارات.
في أواخر التسعينات الميلادية كان هناك بحوث ودراسات كنت في أمريكا واطلعت عليها كان يطرح في الدراسة أن المنطقة العربية ستصبح من أكثر المناطق تخلفاً في العالم جميع المناطق المتخلفة ستتقدم عن المنطقة العربية هذا الطرح الموجود والسبب فيها هو النقص في الديمقراطية .
الحمد الله , بعد عشر سنوات تأتي الثورات العربية المباركة بالفعل أعادت بث الروح وبنت الآمال ومع الأسف الشديد هذه الأنظمة المستبدة لها قدرة مالية هائلة تستغلها في إعاقة الربيع العربي وبالتالي هذا حدث من خلال الإعلام الموجه، الإعلام الإمبراطوري يستغل لتشويه سمعة الربيع العربي وتشويه صورة الديمقراطيات التي نشأت واستغلت هذه الموارد الهائلة في دعم ما يسمى الفلول ولا يخفى عليكم أنه في الانتخابات المصرية حصل الفلول على أموال طائلة من أموال الشعب بل إن هذه الأنظمة العائلية منحت ملاجئ للفلول بشكل أو بآخر ويدعمون الثورات المضادة وسياسة هذه الأنظمة الهدف منها هو بقاءها وإعطاء المال للشعوب على شكل أعطيات فأسعار النفط مرتفعة بشكل كبير مما أعطاها فسحة لمنح أعطيات وزيادة مرتبات هناك زيادة بنسب خرافية في بعض هذه الدول والهدف هو الإبقاء على النظام القائم وتصنف هذه الأعطيات بأنها رشوة للشعوب حتى تسكت ,وأيضاً هناك دعم لقوى متخلفة لإضعاف الربيع العربي، وأيضاً قاموا بدعم الأنظمة المهددة لإيقاف مد الربيع العربي والأردن مثال واضح فهو لم يحصل على دعم مادي هائل من هذه الأنظمة العائلية بل عرض عليه الانضمام لدول مجلس التعاون الخليجي وهذا خطأ استراتيجي غير مبرر فأنت عندما تضم بلد وهناك اتفاقية موجودة فإنك تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل والأردن لا تطل على الخليج العربي لذلك محاولة ضم المغرب يثير الاستغراب لكن لا تستغرب من هذه الدول أن تحاول ضم بورما والصين إلى الاتفاقية إذا كان الهدف هو بقاؤها في السلطة، وأستغرب موقف دولة مثل الكويت لأن موقف الأردن من حرب الخليج كان سيء جداً، ومن سياسات هذه الدول زيادة موجة القمع منذ حدوث الثورات العربية لا تجد بلد في هذه المنظومة إلا والحقوقيين أو المطالبين بالإصلاح إما في السجون أو تم الاعتداء عليهم بشكل أو بآخر أو يحاكمون بتهم ملفقة .
ومن السياسات لوقف مد الربيع العربي جلب المرتزقة الأجانب هذه الأنظمة لم تألو جهداً لقمع أي نشاط سلمي وهذا ليس سراً إحدى الدول جلبت بلاك ووتر وهناك دول تأتي بمرتزقة من دول أخرى ,وأيضاً من الوسائل توقيع اتفاقيات مخلة بحقوق الإنسان ولعل الاتفاقية الأمنية المخزية تكشف هذا التوجه، بل وبعض الدول في هذه المنظومة تخلت عن أعرافها الديمقراطية الموجودة في دساتيرها وإحدى الدول التي طرحت مشروع ملكية دستورية وان كان مشوه تراجعت عنه بل وتحتال في تشويه المعارضة، وأيضاً استخدام القوة العسكرية مثل درع الجزيرة العربية بدل أن يكون لحفظ النظام من التدخل الخارجي أصبح لقمع الشعب والتدخل في الدول الأخرى وبالتالي يقمع الشعب بأمواله وثرواته.
أيضاً من الأشياء الموجودة والتي سترونها في المستقبل هي زيادة التصعيد الإعلامي ضد دول أخرى غير مرغوب بها في المنطقة والسبب هو تشتيت الانتباه عن المشكلة الداخلية والدول المستبدة عادة تقوم بهذه الطريقة، وأيضاً تستخدم التدخل في دول أخرى ليس لها بها أي علاقة ولها استثمارات عائلية خاصة في هذه البلدان.
لكن هناك نقاط ضعف سوف تؤدي بهذه الأنظمة إلى الإنهيار إن لم يكن هناك إصلاح، وسوف أريكم السيناريوهات المحتملة للمنطقة. نقاط الضعف هي كالتالي:
1. غياب المؤسسات الدستورية كالبرلمانات المنتخبة، هناك دولة وحيدة لديها برلمان وما لبثت كل فترة تحل هذا البرلمان وبالتالي البرلمان الموجود في هذه الدولة الوحيدة لديها الحق في حل البرلمان إذاً البرلمان ضعيف أمام النظام السياسي.
٢. أيضاً ضعف مؤسسات المجتمع المدني ليس هناك مجتمع مدني وبالتالي إذا تزعزع النظام السياسي أو سقط ستكون هناك ثورة عارمة.
٣. أيضاً من نقاط الضعف أن هذه المجتمعات فتية يعني نسبة الشباب مرتفعة في السعودية مثلاً ٦٠٪ من الشباب،الفرق بين متوسط عمر الشباب ومتوسط عمر الحكام عقود طويلة.
٤. أيضاً فشل المؤسسات الحكومية في تقديم الخدمات للشعوب خصوصاً الأمن و البنى التحتية والخدمات المختلفة كالصحة والتعليم. لأنها إدارة مركزية والإدارة المركزية مبنية بالفساد لابد من اللامركزية والمراقبة.
٥. تململ الشعب من هذا الوضع وأيضاً من الفساد وحرمان الشعب من حقوقه المدنية والسياسية.
6. في هذه الأنظمة هناك سباق محموم للوصول إلى العرش لا توجد آليات محددة لانتقال السلطة.

هناك أربع سيناريوهات مطروحة لهذه الأنظمة في المستقبل :
في تقديري لا يوجد هناك أي شك من وصول الشعوب للحكم في هذه المنطقة إن لم يكن الآن سيحدث في المستقبل الفرق في السيناريوهات والكلفة.
السيناريو الأول: أن تكون إحدى هذه الدول أسوة حسنة وتتبنى مشروعاً دستورياً يكون رئيس الوزراء منتخب ورؤساء المناطق منتخبين ويكون للأسرة منصب تشريفي تقريباً، لكن هذا لن يحدث تقريباً لأن الأسوة الحسنة غير موجودة، إذا كانت الدولة الكبرى في المنطقة هي من يسحب كافة الدول إلى الوراء.
ثانياً من جرب السلطة المطلقة لا يمكن أن يقبل بالمشروطية، لذلك هذا السيناريو مع أنه أقل كلفة لكنه شبه مستحيل.
السيناريو الثاني: أن تصر الأنظمة على بقاء الوضع القائم وقمع الشعب وهذا سيؤدي إلى وصول المنطقة إلى عنق الزجاجة وحصول مواجهة مع هذه الأنظمة وأتمنى أن تكون هذه المواجهة سلمية وللأسف لا يوجد تدريب على الاعتراض السلمي فالمظاهرات محرمة ومن يوقع على عريضة أو يكتب حرف في مواقع التواصل الاجتماعي يصبح ملاحق، وسيسفر هذا السيناريو إلى انهيار النظام السياسي.
السيناريو الثالث: أن يكون هناك صراع بين النخب للوصول للحكم وجميع هذه الأنظمة مرشحة لحدوث هذا السيناريو، الخطورة في هذا المسلك حدوث حرب أهلية لأنه في هذه الدول نسبة المواطنين قليلة جداً مقارنة بالوافدين لذلك لا تستغرب أن يستخدم هؤلاء الوافدين في هذا الصراع.
السيناريو الرابع: وقوع أحداث غير متوقعة، بمعنى حدوث حرب في هذه المنطقة والأنظمة لا تحتمل حرب مثل صراع بين إيران وإسرائيل، أو الولايات المتحدة وإيران وبالتالي يصبح هناك جولة أخرى في هذه المنطقة للربيع العربي.
يبقى السؤال الأخير، ما هو واجب الشعوب في هذه المنطقة؟
مع الأسف الشديد الشعوب تتفرج مع حدوث صراعات بين هذه النخب لمن يرث هذه الشعوب وكأنها قطيع من الماشية، نحن لدينا مشروعنا ومطالبنا , نحن لدينا حقوق وعلى الشعب أن يطالب بحقوقه من خلال تجمعات المجتمع المدني وهذه هي الوسيلة الموجودة لنيل الحقوق، أنا أعتقد أن الشعب لديه إرادة وعلينا أن لا نحتقر أنفسنا نحن لسنا أقل من سوانا الذين نالوا حقوقهم.

(١١) تأييد هيئة كبار العلماء لسارقي أموال الشعب وكرامته – الدكتور عبدالله الحامد
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته. نحمد الله الذي لا إله إلا هو القائم بالقسط و أصلي و أسلم على نبينا محمد الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق و لم يفرق بين إقامة العدالة و الصلاة وعلى صحابته الكرام الذين أقاموا معالم الحكم الشوري وحقوق الإنسان وعلى من تبعهم بإحسان في كل زمان و مكان.أما بعد:
هذا بحث يتضمن فقرات حول أهمية تجديد الخطاب الديني السعودي ليكون خطاب يحتضن الحكم الشوري أو الملكية الشورية أو الدستورية. وعندما بدأت أفكر في الموضوع, وجدت أن البداية لهذه الحلقة عنوانها دعم هيئة كبار العلماء لسارقي أموال الشعب و كرامته و حريته, وهذه الحلقة وجدت أنها ينبغي أن تعقبها حلقة أخرى حول دور هيئة كبار العلماء في ضرب المواطنة و التعددية و التسامح و دورها في إنتاج العنف و التطرف, ثم حلقة أخرى ستكون عن فساد منهج الاستدلال عند هيئة كبار العلماء فهي عندما تسوق آيات و أحاديث تلوي أعناق النصوص ,وتأخذ بالمتشابهات و تقتنص زلات السلف الصالح أو نصوصهم أو تحرفها عن ما أرادوا, و أكثر ما حصل هذا للإمامين الأحمدين أحمد ابن حنبل و أحمد ابن تيمية, ثم قد يتلو ذلك بحث أو محاضرة عن معالم الخطاب الديني الجديد الذي يحتضن الحكم الشوري و أنه ينبغي أن يكون مخالفا للخطاب الديني الشائع الذي ينادي للصلاة خلف الإمام الجائر و الصبر على الإمام الجائر ولو انتهك الحرية و العدالة و المساواة.
سأحاول الاختصار قدر الاستطاعة, و كنت سأفصل كثيرا و لكن عندما طرحت بعضاً من هذا الموضوع في التويتر وجدت أن الناس قد فهموا كثيرا من هذه الأمور ولا يحتاجون إلى المزيد.لذلك سأكتفي ببعض النقاط و أركز على نقاط أربع في فتاوى هيئة كبار العلماء .و أول هذه الفتاوى الأربع فتواها التي أصدرتها في غرة الربيع الثاني سنة 1432 هـ ,و تقول فيها أن المملكة العربية السعودية قائمة على الكتاب و السنة و البيعة. يبدو أن هيئة كبار العلماء إما أنها لا تعرف مفهوم البيعة الشرعية و شروطها أو أنها لا تعرف الحكم السعودي. فلا أدري ماذا يمكن أن نجد مما أشارت إليه الهيئة يقول أن البلد أو الحكم قام على البيعة الشرعية.
سأطرح بعض النقاط التي تثبت أن البيعة الشرعية في وادي والحكم السعودي في وادي آخر. ليس هناك شيء اسمه بيعة, هنا حكم تمييز عنصري,فهم يطبقون قانون إذا سرق فيهم الشريف تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. انظروا مثلاً لقضية المتهمين بكارثة غرق جدة كنموذج.
استحواذ الأمراء و حاشيتهم على أكثر أموال العباد و أراضي البلاد, هل هذا يدل على أن الحكم قام على البيعة الشرعية؟ ثم إن النظام السياسي السعودي يتنكر لمبدأ سلطة الأمة على الولاة و مبدأ أن الرعية هي ولية الأمر وأنها هي الحفيظة على الدولة والشريعة. هذا المبدأ الذي نص عليه ابن تيمية. الأمة هي الحافظة للشرع, و هذا الذي دلت عليه الأدلة الصريحة من القرآن الكريم .خطاب (يا أيها الذين آمنوا), لم يقل يا أيها الفقهاء أو يا أيها الأمراء بل قال (يا أيها الذين آمنوا). ثم انتهك النظام السعودي مبدأ عدم جواز اتخاذ العنف وسيلة للاحتفاظ بالسلطة أو الوصول إليها. فمبدأ أن يكون الوصول إلى السلطة سلمياً و أن لا يتمسك بها الحاكم بالعنف مبدأ إسلامي أصيل. فأين هي البيعة الشرعية يا هيئة كبار العلماء؟
و لأن النظام السياسي السعودي لا يؤمن بسلطة الأمة رفض إقرار مشروع فعال للجمعيات الأهلية يقر بكونها ذات سلطة شعبية, ولم ينتج ضوابط لنزاهة القضاء و عدالته تحمي حقوق المواطنين بل أصبح القضاء من أجهزة سرقة أموال الناس و كرامتهم وحريتهم. فكيف يكون النظام قائم على الكتاب والسنة و هو يجرم المعارضة السياسية, فلا أحزاب سياسية ولا تداول للسلطة ولا رقابة ولا محاسبة شعبية و رموزهم دائماً يعلنون أخذها بالسيف الأملح. إذا كانوا ينادون بأنهم أخذوها بالسيف الأملح, فأين هي المشروعية والبيعة على الكتاب والسنة؟ هذه البيعة على السيف و الرعب. ثم يسألون هذا العنف و الغلو و التطرف من أين جاء؟
جاء لان تيارات الجهاد السلمي تُحارب. النظام السعودي نظام تتجسد فيه ملامح نظام التمييز العنصري الموجود في جنوب أفريقيا ,فجميع قراراته و أنظمته يصدرها الأمراء و هو أخطبوط إداري يحصر مناصب الدولة بأفراده ينتشر الأمراء فيه في كافة مرافق الدولة ويتفردون بالثروة والسلطة معاً تفردا عائلياً قبلياً وليس حزبياً, فقد استولى أكثر من مائة أمير فيه على مناصب الحكومة الكبرى. و هو في إدارته نظام إدارة ديناصوري, فما علاقة ذلك بالكتاب و السنة و البيعة الشرعية؟ و النظام الديناصوري متحجر يولد المشكلات و كافة أنواع الفساد. ثم هم يطلقون لقب ولي الأمر وصاحب السمو الملكي على كل فرد من أفراد الأسرة الحاكمة حتى الأطفال. و تمتاز الأسرة الحاكمة بالحماية الأمنية والخدمات و ذلك منبثق من كون أفرادها أصحاب سمو لا من كونهم مسئولين في الدولة. و يسكن أفراد الأسرة الحاكمة في أماكن فاخرة محددة ويتمتعون بمدارس و بمستشفيات و بخدمات خاصة, هل هذا هو مقتضى البيعة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم؟
كما أن أفراد الأسرة الحاكمة مستثنون من الأنظمة العامة كالجمارك و التفتيش و المرور و دفع الغرامات, و لا يمكن مراقبتهم أو محاسبتهم و معاقبتهم, و لأفراد الأسرة محاكم خاصة بهم.كما تدعم الأسرة الحاكمة المدرسة الدينية المنغلقة المتحجرة وعلى رأسها هيئة كبار العلماء التي تشبه الكنيسة الهولندية في جنوب أفريقيا التي قالت للسود: أنتم جنس منحط وعليكم أن تخضعوا لأسيادكم. هذا نموذج من نماذج دعم هيئة كبار العلماء لسارقي أموال الشعب و كرامته.
نموذج آخر،فتوى هيئة كبار العلماء في استقدام أكثر من ست مائة ألف جندي من دول شتى و خاصة من أمريكا و الدول الأوروبية لإخراج صدام العراق من الكويت.كون الدولة تستعين أو لا تستعين هذا أمر سياسي, لكن من يقرره؟ هل الذي يقرره حفنة الفقهاء الموظفين المعينين الذين لا ينطقون إلا بأمر من عينهم؟ فهيئة كبار العلماء غير مفوضة شعبياً بل موظفة. ومن الذي وصف أفرادها بكبار العلماء؟ هل هم يصدقون إذا سماهم الحاكم كبار العلماء صاروا كبار علماء؟
ثم هي غير مُنتخبة من عموم علماء المملكة, فكيف تجاسرت على اختزال سلطة الأمة بها؟ وقصرت فتوى الاستعانة بالقوة الأجنبية بها؟
هم صالحون, فضلاء, طيبون, فيهم علم, لكن عن علم السياسة غافلون. فكيف يتصورون أنفسهم بديلا عن الشعب؟
نعتقد أن هذا نموذج لوقوع هيئة كبار العلماء في أخطاء كبيرة لأنها تصورت أنها تجسد سلطة الشعب و هذا خطأ. لنفترض أنهم كانوا على حق في هذه الفتوى وهو مجرد افتراض, إذا لماذا لم يسألوا الحاكم؟ لماذا شاركتم في حرب العراق و إيران؟ من شاورتم؟ هل شاورها الحاكم أيضاً؟ هذا سؤال. أصدرتم قرار بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية, لماذا لم تشترطوا على الحاكم بعد خروجه من هذه المشكلة أن يعيد السلطة للشعب و يقيم برلمان و تصبح الأسرة الحاكمة على غرار الخليفة العباسي ذات فخر و ذات جلالة و احترام و لكن تركت الحكم للذين لا يمكن محاسبتهم ومساءلتهم.
كانت فرصتها فأضاعتها. لقد وقع السلطان في مأزق و تخبط سياسي و احتاج إلى فتواهم و لو طالبته في تلك الفترة ضمانات لحقوق الشعب أو مفهوم البيعة الشرعية والتزام بشورى نواب الأمة لربما استطاعت الحصول عليها. معنى ذلك أنها لا تَفتي إلا بما يطلبه الحاكم.
ما دامت تتحدث عن الخارج و تتحدث عن إمكانية أن يكون لها رأي في هذه الأمور, لماذا لم تسأل الحاكم عن صفقة اليمامة و مئات المليارات من الدولارات التي ذهبت أدراج الرياح في صفقات السلاح التي تكتنفها الشبهات؟ هل نصحته سراً ؟ لم نسمع أنها سألت لماذا يمنح الحاكم اللجوء السياسي لحكام فاسدين كزين الدين العابدين, هل نصحته سراً ؟ لم نسمع أنها سألت الحاكم أننا سمعنا أنك سلمت القذافي حجاجاً ليبيين معارضين, فهل نصحته سراً؟ تلك الهيئة التي استصدر منها الحاكم قبل ذلك فتوى بكفر القذافي!
لم تسأل هيئة كبار العلماء وهي تفتي باستقدام قوات أجنبيه لحماية البلاد الحاكم هل منحت علي عبد الله صالح و أحمد شريف هبات و لماذا؟ أهي لقمع المظاهرات؟
لم نسمع أن هيئة كبار العلماء سألت الحاكم هل دعمت روسيا بست مليارات ولماذا ؟ فهل نصحته سراً ؟ لم نسمع أنها سألت الحاكم هل دعمت عسكر الجزائر ضد حركة الإنقاذ السلمية التي فازت بالانتخابات و لماذا ؟ فهل نصحته سراً ؟
هذا الفساد الأخلاقي التي تحمله بعض القنوات الفضائية كالـMBC هل نصحت هيئة كبار العلماء الحاكم في هذه الأمور سراً؟
هذا في الجانب الخارجي, أما في الجانب الداخلي نأتي إلى فتواها الشهيرة في رفض إنشاء لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان الشرعية قبل حوالي عشرين عام, و نضيف إليها فتواها في تحريم المظاهرات. هي بقولها في فتواها حول تحريم قيام لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان أن إنشاء لجنة لحماية حقوق الإنسان مما لا تحمد عقباه قد أطلقت الشرارة أو أطلقت الإذن لكي يعتقل الحاكم ويضرب ويعذب , وحتى يصدر القضاء أحكامه على ما تقوله الهيئة, هذا حرام أو لا يجوز وهذا مخالف لشروط الإصلاح و شروط النصيحة, ثم بعد ذلك تتولى الجهات كالمباحث والشرطة والسجانون والسجان لصق هذه الفتوى على جدار السجن و يعذب السجين بحجة أنت رجل أفتت هيئة كبار العلماء بأنك مجرم.
ويضاف إلى ذلك أن هيئة كبار العلماء تتحدث عن الطاعة, ويقوم خطباء المساجد بشن هجوم على دعاة الإصلاح, فمنهم من يُطالب بقتلهم و من يطلب بسجنهم مدى الحياة وهكذا ، تشويه سمعة بأسلوب ديني.

الرابعة هي تحريم المظاهرات, فالهيئة في نفس البيان الذي أصدرته بنفس التاريخ الذي أشرنا إليه في غرة شهر 4 سنة 1432هـ تقول -بعد ذكر الأحاديث حول النصيحة وغيرها-والنصيحة لا تكون بالمظاهرات و الوسائل التي تثير الفتن و تفرق الجماعات و إنما تكون بالنصيحة هي التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم و صحابته الكرام و أتباعهم بإحسان.
الذي يقرأ هذه الفتوى يدرك ما قلت قبل قليل من أنها تلوي أعناق النصوص الشرعية و تأخذ المتشابهات و تضرب المحكمات. من قال ما يثبت أن هناك في الإسلام نصيحة سرية؟
لم يفعل ذلك لا النبي صلى الله عليه وسلم و لا خلفائه, بل أن امرأة في عهد عمر وقفت في المسجد و طلبته زيادة المهر فقال عمر أصابت امرأة و أخطأ عمر. وبلال قال لعمر عندما قال:اسمعوا و أطيعوا فقال: لا سمع ولا طاعة, قال: لماذا يا بلال؟ قال: علي ثوب وعليك ثوبان ,ما همس في إذنه, وما همست المرأة في إذن زوجة عمر وقالت قولي لزوجك كذا و كذا أنا اخشي الفتنة لو قلت له في المسجد.
لا يوجد هناك نصيحة سرية, حتى كلمة نصيحة بهذا المعنى لم تعرف في عصر صدر الإسلام. هناك موعظة, كلمة نصيحة في معجم القرآن الكريم و السنة بمعنى الإخلاص و ليست بمعنى وعظ.
أنتم أيها الفقهاء الكبار تقولون لا يمكن ولا يجوز إنشاء جمعيات حقوقية ولا جمعيات مجتمع مدني ولا مظاهرات, فماذا فعلتم أنتم لحل الموضوع؟
يفترض أن الإنسان الذي يقترح إلغاء شيء يكون لديه حل.
الآن أموال الشعب ضائعة,فماذا فعلتم لاستردادها؟ هل سألتم أيها الأكابر الحاكم لماذا استثنى أصحاب السمو والقضاة و أصحاب المقامات من مخالفات المرور؟
هل نصحتموه سراً ؟ باسم الشريعة في هذه البلاد يعتبر من يسرق الحرية والكرامة ويغتصب المال العام و ينتهك حقوق الأمة ويذلها و يخيفها عبر أجهزة أمنها يعتبر ولي أمر مطاع. ثم نستغرب أن ينتج المجتمع السعودي التطرف و الغلو في التبديع والتكفير, و تيار القمع و أعوانهم و فقهاء الاستبداد يصبون الزيت على النار.
هل طلب كبار العلماء الحكم الشوري لكي يقنعوا الناس بنجاح أسلوبهم الذي هو النصيحة السرية الفردية؟
أنحصر مفهوم تطبيق الشريعة وأقتصر على الجنايات الفردية وعقوبتها,أما ولي الأمر وحاشيته من يستطيع أن يقاضيه! وهو القاضي؟ كما قيل أن كان خصمك القاضي فمن تقاضي..!

أين كبار العلماء عندما صارت أموال الأمة و أراضيها ملك لولي الأمر و قرابته ؟
الحاكم أصدر قرار و هو لا يجوز بإحياء الأرض الموات و أعتمد فيه على رأي ضعيف و هذا الرأي ضد رأي الحنابلة. استغل السلطان هذه الفتوى فسيطر على ثروات الأمة ووزعت أراضي الأمة على المحاسيب و الأقارب والفاسدين و المداهنين, و اشتريت لأساتذة الجامعات و المثقفين و رجال الإعلام فمنحوا أراضي سكن في أرقى الأحياء كالحمراء في الرياض مثلاً, و من يعطى من عموم الناس أعطي في ضواحي المدن كوادي لبن في الرياض. ماذا فعل العلماء الغافلون في محاربة الرشوة و المحسوبية و الفساد وهدر المال العام ؟
لقد بنو منظومة من فك الضرورة و الإحباط و الإسقاط فأجازوا للناس دفع الرشوة و نحوها محتجين بفساد الإمام و هم الذين أسهموا في استفحال فساده و شاركوا في نحت تمثاله و أمروا الناس بالطواف حوله.
انهدمت المساواة حين أصبح امتلاك الأراضي والسكن و الزراعة بيد حاكم جائر له سلطة مطلقة.يمنع الشعب من إحياء الأرض البور إلا بإذنه, ثم يوزع أراضي الشعب على أسس غير موضوعية , ويسمي أراضي الشعب أرض حكومية بدل أن تسمى أراضي الأمة والشعب.وبما أنه هو الحكومة صار يعطيها من يشاء و يمنعها من يشاء و يتصرف فيها كما يشاء كان العباد و البلاد ميراث أبيه و جده. هذه شروط البيعة التي تقول هيئة كبار العلماء أن الحكم قائم على البيعة الشرعية و كتاب الله و سنة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.
أين كبار العلماء و هم يرون أيادي الأمراء تمتد بشبوك على السواحل من جيزان إلى تبوك و في البراري من رضوى الى صفوى. تفريط هيئة كبار العلماء في مال الأمة كبير لا ينحصر بالنطق بل بسكوتها عن الجرائم التي تتخذ ضد الشعب وهذا يدل على أنها غائبة عن مفهوم العلم و عن قوله تعالى (و إذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه).
لم تطلب هيئة كبار العلماء فتح ملف البطالة وسياسة التفقير التي تتبعها الدولة لأجل إغراق المواطن بلقمة العيش كي لا يطالب بحقوقه السياسية ولم تطلب إيقاف منح أراضي الأمة بملايين الأمتار للأمراء. لم تقل ولو ربع كلمة عن شفط أموال الشعب في الأسهم. لم تقل ولو ربع كلمة عن أزمة السكن, ولا ربع كلمة عن ارتفاع أسعار القوت.
من أين للشباب السكن و متر الأرض وصل لآلاف الريالات؟ ماذا تتصور هيئة كبار العلماء لو أن عُشر شبوك الأمراء و المنح التي أعطوها بملايين الأمتار صرفت على الناس؟ ألا يستغني كل فقير؟ ألا يعالج كل مريض؟ ألا يوظف كل عاطل؟ ألا يريح الله من الديون كل موظف عسكري أو مدني؟
من أجل هذا فإن الهيئة دائماً فتاواها لمصلحة الحاكم لا لمصلحة الشعب, فهي مع الحاكم الجائر ضد الشعب المظلوم. لم تقل كلمة واحدة عن غرق جدة ,ولم تسأل هيئة كبار العلماء الحاكم عن التعذيب ولا عن تجاوزات المباحث. لم تسأل هيئة كبار العلماء الحاكم لماذا جندت الشباب لأفغانستان ثم اعتقلتهم عندما عادوا, و لم تقل الهيئة و تيارها للشباب المتحمس أن الجهاد السلمي لتطوير الملك العضوض السعودي إلى ملك شوري أجلى و أولى من العسكري في أي مكان. لم تتساءل لماذا ضعف مستوى التعليم و اكتوت الأسر بأسعار التعليم الخاص, و لم تتساءل لماذا ضعفت الخدمات الصحية و اكتوت الناس بأسعار المشافي الخاصة, ولم تدافع عن حق الحرائر حين اعتصمن يطالبن بإيقاف تعذيب أزواجهن, ولم تنبس ببنت شفة حين قامت هيئة الأمر بالمعروف بمطاردتهن و إجبارهن على ركوب سيارات الشرطة السياسية كما في أبها و القصيم.
كل الناس تعرف أن هيئة كبار العلماء ضعيفة لكن إذا كانت ضعيفة لماذا تحرم على الناس المظاهرات التي ينالون بها حقوقهم, يعني لا ترحمون الناس و لا تريدون أن تنزل رحمة الله عليهم. إذا كانوا عن عون الناس عاجزين فلماذا يحرمون عليهم التظاهر و الاعتصام لتكون فتاواهم سوط في اكف القضاة والسجانين.
العلماء الأكابر و تيارهم جعلوا الإذعان لهوان الدنيا مهرب جنة في الآخرة على طريقة قول الشاعر :
إن لله عباد فطنا ..طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا”. من أجل ذلك أقول من أوجب وعظ الحاكم سراً فهو واهم والمواعظ السرية غفلة عن سنن الشريعة.هي حقوق يطالب بها لا تتوسل.والقول أن منهج السلف الصالح هو إنكار المنكرات السلطانية سراً نموذج للفكر المريض الذي يدعم الملك العضوض و يحتمي بالسلف الصالح.
إنها قضية إنكار فواحش سياسية عامة ليست فواحش فردية يقع بها حكام و قد أغلقوا أبواب مساكنهم و ضررها مقصور عليهم وحدهم.انتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها الشرطة السياسية بضرب السجناء وتعذيبهم كيف تنكر سراً؟ قد ذكر أمثال الدكتور محسن العواجي التعذيب سراً, فما تغير؟ لم يُفعل تقرير الدكتور محسن إلا عندما أخرجته جمعية حسم من الكتمان و وثقته فصار شهادة ضد تيار القمع و التعذيب. يا ترى التشهير بالاعتقال التعسفي والتعذيب التي تمارسه هيئات حكومية وجلاوزتها باسم أمن البلاد,أليس من منهج السلف الصالح؟
يقول قاضي القصيم في حيثيات حكمه أن السرية في نصح السلطان من حقوقه ما لم يسمح بالعلنية في النصيحة بأي طريقة يرضاها. ليست هذه زلة في العقيدة,إنها غلطة في العقيدة! تعطيل لمبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر, و هيئة الفتوى و قضاتها والمدعي العام في وادي آخر كما قال الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغربا.. شتان بين مشرق ومغرب”.
ألا يؤدي ذلك إلى تأليه الحكام؟أن نسمي مطالبة الحاكم بالحقوق نصيحة و نوجب أن تكون سرا و أن يستأذن السلطان عند إنكار منكراته! على أن الوعظ السري للسلطان طريق لا يكاد أن يدرك غوره إلا من صبره, لعل هيئة العلماء لم تجرب هذا الطريق لكن قد جربه محمد فهد الرشودي و الفقيه عبد الله بن قعود وغيرهم رحمهم الله و إياكم. الكثير جربوه فلم ينتج منه شيء.
إنكار المنكرات السياسية من أعظم الجهاد السلمي, و في إعلان الموعظة فوائد كبرى. من أهمها أن يعرف الناس المنكر من المعروف, لكي لا يقال أن التعذيب جائز في الإسلام و أن سجن التضييق شرعي, ولكي لا يتوهم الناس ظلم الحاكم معروفاً أو ثانوياً ينبغي احتماله.ومن فوائد النصيحة العلنية تقدير المخاطر التي قد يتعرض لها الواعظ و سكوت هيئة كبار العلماء و القضاة عن فظائع التعذيب و التضييق و انتهاك شروط البيعة نقطة سوداء في سيرهم و لا ينجو من خزيها الدنيوي والأخروي إلا من تاب و أصلح فأنكرها علناً.
إن الخلافة و الإمارة و الإمامة الشرعية عقد اختيار بين الناس و الحاكم مشروط بطاعة الحاكم و موكليه و لأن الأمة هي الحفيظة على كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم فاستبداد الحاكم عصيان لله, لأنه استبد عن الأمة المخولة فلا طاعة مطلقة لفرد مخصوص إلا لنبي معصوم كما صرح الفقهاء كابن تيمية. و تعذيب البشر و التضييق عليهم في السجون من المعاصي أيضا.و تعتيم وزارة الداخلية على التعذيب ورفضها تقديم المتهمين به إلى القضاء و سجنها المحتسبين المطالبين بفتح ملف حقوق الإنسان منكر كبير. تلك أمور لا تخفى على طالب علم فكيف تخفى على مدعي عام أو على مفتي أو قاضي واجبه الدفاع عن مصلحة الأمة؟
فما للهيئة تزج نفسها في فتاوى قمعية ليستثمرها المدعي العام في دعاوى كيدية يُضرب بها الجمعيات الحقوقية التي تكشف التعذيب. لقد غفلت هيئة الإفتاء وتيارها عن بديهية السياسة الشرعية وهي أن الإمامة عقد وكالة و إنابة فلا يجوز بمقتضاها أن يستبد الوكيل بأمر موكليه.
و أخيراً لماذا نلوم الولاة و موظفيهم من قضاة و سجانين و قامعين و نقدس علماء الدين و المفتين و نقول لحومهم مسمومة و هم الذين سنوا لهم السكاكين؟ هل نحن مرضى أم ضحايا أم مساكين أم مدلسون منافقون؟
هذا هو السؤال المهم.لا نريد أن نتعرض لأي شخص كائن من كان و لا نتدخل في خصوصيات أحد ولا نتحدث عن أشخاص, إننا نتحدث عن تيارات فكل إنسان يعمل في وظيفة رسمية عامة فسلوكه مجال للنقد ولا يضيره أن ينقد و من حق الناس الذين يعانون من مظالم فتاواه و قراراته أن يتظلموا.
نحن أحيانا لا نربط بين الأشياء نريد أن نقدس هيئة كبار العلماء و أن نحترمهم و لا نربط بينهم و بين الوحدات الأخرى كالقضاة. فهل يمكن أن نقول أن ( القاضي العجيري) كان ظلوما عندما أصدر أحكام بثلاثين سنة و نسكت عن فتاوى العلماء كابن باز و ابن عثيمين و نحوهم الذين شحذوا له السكاكين؟
هل نكيل التهم لأمثال العجيري و ابن عبد اللطيف و ابن عثمان و ابن خونين والحسني و نكيل المديح لمن سنوا لهم سكاكين أحكام الخروج؟ من الذي منح الداخلية سوطا تجلد به أمثال لجنة أعضاء حقوق الإنسان وتفصلهم و تودعهم السجون؟أليست فتاوى أمثال ابن باز و ابن عثيمين؟ فلماذا نلعن السجانين و نقدس المفتين؟ هل نحن منافقون أم مغفلون؟
من الذي منح الداخلية مفتاح لسجن أمثال الدكتور سلمان العودة و الدكتور سفر الحوالي؟أليست فتاوى أمثال ابن باز و ابن عثيمين؟
ذات مرة زرت مع المحامي سليمان الرشودي ابن عثيمين و شكونا أن خالد القفاري تمزق لحم ساقيه من الجلد في السجن فأوحى بجواز التعذيب ولم يقل شيء. نعتذر لابن عثيمين فقد تأثر بزلة ابن القيم عندما قام بتعذيب المتهمين بالفجور.أيضا نسأل لماذا قتل الحضيف تعزيراً..!؟
لا ينبغي أن نركز الصورة على قاضيين جائرين ونتجاهل فتاوى و آراء أمثال ابن باز و ابن عثيمين و هيئة العلماء. لماذا لا نربط الأشياء تأملوا عبارة هيئة العلماء عندما قالت كيان الدولة قائم على الكتاب والسنة والتي يستشهد بها القاضي و المدعي العام لضرب كل مخالف. هل الكتاب والسنة طلاسم لا يفهمها إلا العلماء المنكمشون المندمجون في الاستبداد والذين يبررون للحكومة قمع حريات الشعب و يمررون مظالمها؟
كنا صغار و كنا نسمع الكبار يسألون العائد من الرياض كيف الشيوخ ويرد بخير ثم يسألون كيف المشايخ فيرد بخير. لم ندرك أننا نقدس ثنائية قمعنا: الأمراء و الفقهاء, ثنائية الشيوخ و المشايخ التي حصرت المسؤولية بثنائية الأمراء والعلماء لو صحت لأصبحت بلدنا أفضل بلدان العالم حكماً شورياً . هذه الصيغة التي بدأت مع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله نافعة ولكن نفعها نسبيا مقيدا بذاك الزمان و ليس بمعيار مطلق. الآن سقطت الأقنعة عن توأم القمع السياسي الديني. شيك السلف الصالح و الكتاب و السنة لا يمكن استمرار تأجيره لخدمة سارقي كرامة الشعب وأمواله وحريته. خطابات وزير الداخلية السابق التي تأمر بتفقد الناس في صلاة الفجر ليقنع الناس بتقواه نسختها تقارير سرقة مال الأمة و التضييق عليها. و أخيراً فكر هيئة العلماء نسخة من فكر الأزهر القديم الذي لا يمكن أن يشارك فضلا عن أن يؤسس لبناء دولة شورى الأمة.
الآن نحن نحتاج إلى خطاب ديني جديد

(١٢) من هم معطلو التنمية الحقيقيون ؟ – الدكتور محمد القحطاني
أتت فكرة الموضوع من التهمة المضحكة الموجهة لنا حول تعطيل التنمية وسوف أوضح في المحاضرة من هم معطلو التنمية الحقيقيون وبالتالي أقول وبالله التوفيق أن التهمة التي وجهها المدعي العام وهي تهمة تعطيل التنمية هي تهمة مرسلة وضعها المدعي العام دون أن يتحقق منها وسوف أوضح أنه يعجز –وأنا أتحداه وأتحدى الجهات الرقابية في السعودية مثل هيئة مكافحة الفساد وديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق وهيئة المباحث الإدارية- أن تلاحق من سأذكرهم في محاضرتي ممن فعلا أعاقوا التنمية سواء بالعبث بالمال العام أو سرقته أو قمع المواطنين أو تدمير القوى البشرية في البلد أو الاستبداد بالقرار السياسي أو الاستيلاء على المال العام والكسب غير المشروع.
قسمت المحاضرة إلى أربع أقسام فيما يتعلق بمعطلي التنمية ,ووضعت في البداية تعطيل التنمية السياسية. لأن تعطيل التنمية السياسية هو المهم عندما نتحدث عن أي تنمية في البلد اقتصادية أو بشرية أو اجتماعية أو غيرها.
لا يمكن التحدث عن أي تنمية دون التركيز على التنمية السياسية لأن التنمية السياسية سوف تولد ما يسمى بنظام حكم صالح يستطيع إدارة الموارد الاقتصادية المختلفة ويستطيع إيقاف هدر المال العام ويستطيع ضبط مجريات كثيرة في البلد بدل تحوله إلى نظام سياسي فاشل. وبالتالي أول معوق للتنمية هم من أعاقوا مشروع الإصلاح السياسي.
لا يمكن أن تحدث أي تنمية في هذا البلد دون الدفع بالتنمية السياسية لذا فتيار القمع والنهب في الأسرة الحاكمة والذي كان يترأسه وزير الداخلية الأسبق الأمير نايف بن عبد العزيز هو المسئول في المقام الأول. عندما تريد أن تعلق الجرس بخصوص من هو المسئول فعليك أن تبدأ بمن أعاق مشروع الإصلاح السياسي وفي المقام الأول التيار الذي ذكرته في الأسرة الحاكمة والمستفيد منه من الفاسدين ممن استولوا على المال العام ودمروا مقدرات الأمة.
المحور الثاني هو تدمير رأس المال البشري. الإنسان الذي هو عماد التنمية في هذا البلد تم تدميره. فمن هو المسئول؟ نتحدث عن مشكلة الفقر التي هي تفقير إلى حد كبير, سواء بفشل من النظام السياسي أو بشكل متعمد. بشكل متعمد أي أن التفقير أدى إلى إشغال الناس في البحث والكد في مصادر دخلهم عن المطالبة بحقوقهم السياسية. وفي نظام حسني مبارك المنهار أسوة سيئة لأنه كان يدفع بهذا الاتجاه وكان ينصح الأنظمة العربية المستبدة بهذه النصيحة: عليكم إشغالهم بكسب رزقهم حتى لا يكون لديهم مشروع سياسي. والدليل أن الحديث عن الفقر تم بشكل كبير في الفترة الماضية ولم يحدث أي شيء في هذا الملف أي أن هناك إخفاق من قبل النظام السياسي في التعامل مع هذا الملف وأنا أحمل وزير الاقتصاد والشؤون الاجتماعية المسؤولية وكذلك النظام السياسي المتمثل بالأسرة الحاكمة. وبالمناسبة, في بلد ريعي كالسعودية الفقر لا يرتبط بمقدرة الشخص بل بالخلل في توزيع الثروة لوجود أشخاص متنفذين في النظام السياسي يستحوذون على كم هائل من الدخل.
عامل آخر في تدمير رأس المال البشري هو البطالة. البطالة أيضا تم الحديث عنها بشكل كبير ولم يتم عمل أي شيء بخصوص هذا الملف بل أن أرقام البطالة تتفاقم سنة بعد أخرى وهناك أسباب كثيرة جدا منها عوامل سياسية في المقام الأول وأصحاب مصالح من النافذين في النظام السياسي عطلوا هذا الملف بل أن الدولة –المملكة العربية السعودية- تقوم بحل مشاكل البطالة في الدول الأخرى قبل مشكلة مواطنيها.
هناك من كتب مقال قبل فترة عن أن توظيف الأيد العاملة في بلدنا هو محاولة لمساعدة اقتصاد الدول النامية والفقيرة على حساب المواطنين دون استشارتهم. فالبطالة إذا هي تدمير لرأس المال البشري وهي تعطيل للتنمية والمسئول عنها هو النظام السياسي دون أي مواربة في إلقاء التهمة عليه.
أيضا الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية. هناك حرمان للمواطنين من اختيار النظام السياسي, من التصويت على الحكومة, من الحقوق المدنية والاقتصادية, من الحق في الحياة الكريمة, وحرمانه عبر نهب العامل العام مما أدى إلى تدمير رأس المال البشري وتعطيل التنمية.
العامل الرابع -وهو الذي قمت على تقديمه أمام القاضي مما أغضبه-هو استخدام أبناء البلد كقرابين في مشاريع سياسية فاشلة لتحقيق مكاسب سياسية لأشخاص نافذين في النظام السياسي أيضا وليس هناك أي فائدة تذكر للاقتصاد الوطني أو للبلاد أو حتى للمصالح الوطنية الكبرى والدليل على ذلك هو تخبطات وقرارات سياسية لم تُدرس. مثلاً, تجنيد الشباب السعودي للقتال في حرب بالوكالة في أفغانستان. هذه بالنسبة لي مغامرة استخدمت الشباب كقرابين والنظام السعودي أدرك أنها كانت حرب بالوكالة ومع ذلك زج بأبناء البلد فيها. والنتيجة هي أن الشباب أصبحوا بين قتيل وجريح وأسير ومعاق. من المسئول عنها؟
نحن نعرف المسئولين, ونعرف الذين أداروا هذا الملف وهم أشخاص نافذين في النظام السياسي ونعرفهم بالأسماء ولو فتح هذا الملف لقدم هؤلاء الأشخاص للتحقيق والمحاكمة لأنهم مسئولين وأنا في دفاعي ذكرت هؤلاء الأشخاص وسوف تنشر أسماؤهم ولن ينساهم التاريخ.
ثالثاً فيما يتعلق بالاستبداد في القرارات العليا في الدولة, فالاستبداد السياسي هو بذرة كل شر في هذا البلد. لا يمكن أن تركز على خلل بسيط وتغفل الأكبر. أن أتكلم عن الفساد السياسي, الفساد المالي, الفساد الإداري, الظلم, القمع, البطش كمسائل منفصلة عن الاستبداد السياسي خاطئ, بل مصدر جميع هذه الشرور هو الاستبداد السياسي وما هي إلا إفرازات له.
نرى أن المدعي العام يركز في جميع لوائح الاتهام التي أصدرت ضد الناشطين الحقوقيين والسياسيين على الخروج على ولي الأمر دون التركيز –في الطرح الموجود لدينا يكثر التركيز على الافتئات على ولي الأمر, الخروج على ولي الأمر, اتهام المسئولين في الدولة- على خروج ولي الأمر على الشعب عبر استبداده بالقرار السياسي وعدم استشارة الشعب في القرارات المصيرية وقد خاض النظام في مثل تلك القرارات دون استشارتهم سابقا. فمن الذي خرج واستبد؟ هو النظام.
ذكرنا قبل قليل قضايا الاستبداد السياسي بشكل عام وقضايا تجنيد شباب الوطن في أواسط الثمانينات لخوض حرب بالوكالة وأيضا هناك تخبط فيما يتعلق بالقرار السياسي في قضايا تمويل حروب بالوكالة. ليس سرا أنه في أواسط الثمانينات قام النظام السعودي بدعم ثوار الكونترا في نيكاراغوا في أمريكا الجنوبية -وهي بلد ليس لنا فيها أي مصالح إطلاقا- بمئات الملايين من أموال الشعب دون استشارة الشعب والوثائق الأمريكية تثبت التورط بدعم ثوار نيكاراغوا لتحقيق مصالح فردية ودعم إدارة جمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك. لو كانت هذه الأموال تصرف من مدخول النافذين في النظام السياسي فليست لدي أي مشكلة لكن عليهم أن يثبتوا ذلك, لكن صرف أموال الشعب دون استشارته هي إشكالية كبيرة جدا.
يتكرر نفس المشهد في التدخل أو الدعم المالي للحرب العراقية الإيرانية, عشرات المليارات من الدولارات من أموال الشعب دفعت في تلك الحرب وما الذي حدث؟ عندما انتهت الحرب كان هناك تقوية كبيرة لصدام حسين عبر الدعم المالي حتى أنه التفت وابتلع جارته الكويت وأصبح يهدد بلادنا وأطلق صواريخ عليها دون أن يتحمل كبار المسئولين السعوديين مسؤولية هذا الإخفاق واستمر تهميش الشعب. وبمجرد انتهاء حرب الخليج, لم يتعلم النظام السياسي الدرس وطفق يبحث عن فرصة جديدة للتورط في حرب أخرى.
سنحت هذه الفرصة في حرب الانفصال اليمنية. ولا أحد يعلم كم ضخ النظام السعودي في هذه الحرب إلا الله والنظام السعودي نفسه. تدخل لدعم الاشتراكيين في اليمن الجنوبي بأموال طائلة وبعتاد وبسلاح. ومن الطرائف التي كانت تتداول في تلك الفترة أن الجرحى من الطرفين كانوا يعالجون في المستشفى التخصصي في الرياض. أي أنهم كانوا يتحاربون في اليمن ثم يلتقون في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض للعلاج. فهل تعلم النظام السعودي؟أبداً.
يتكرر المشهد أيضا في حرب الحوثيين. حرب أُديرت دون استشارة الشعب وتم التدخل في بلد آخر. حدث تخبط كبير جدا وأديرت الحرب بطريقة فاشلة. عدد النازحين يقدر في الوثائق البريطانية بأكثر من 50 ألف نازح وعدد القتلى بالمئات. وما يحدث الآن في الحد الجنوبي بسبب تلك الفترة, فمن المسئول؟ المسئولون والذين هم من معيقي التنمية تمت ترقيتهم إلى وظائف عليا دون محاسبة أو مراقبة أو شفافية ودون حتى تصويت شعبي في هكذا قرار. أي بلد يريد أن يدخل أو يتورط في حرب تمول من أموال الشعب وتدار من أبناؤه فلا بد من تصويت واستماع للمكاسب والخسائر, لكن للأسف الشديد أننا نخوض هذه الحرب ثم نحن من يلام عليها.
الدولة استغلت حرب الخليج بشكل كبير جدا لتتذرع بتلك الفترة وأنها استنزفت المصادر المالية فلا تستطيع الإنفاق على المشاريع الكبيرة. والمسئول هو النظام السياسي وليس الشعب.
العبث في المال العام بتمويل مشاريع سياسية خاسرة كالتدخل في أفغانستان. كم أنفق النظام السعودي على حرب أفغانستان وعلى زعماء الحرب فيها؟ عشرات المليارات دون استشارة الشعب, فما الذي حدث؟ بنيت القاعدة. القاعدة أسست من المال السعودي, هذه معروفة والوثائق تثبتها. والأشخاص الذين تورطوا في هذه المغامرة موجودون وبإمكانهم أن يستجوبوا. هل استشير الشعب السعودي في إنفاق ماله في مغامرة أفغانستان؟ لم يحدث ذلك.
أيضا تشير الوثائق إلى دعم كثير من الأنظمة الفاسدة بأموال الشعب دون استشارته. هناك تقارير تتحدث عن تقديم رشوة إلى روسيا في أوائل التسعينات لضمان تصويتها على استخدام القوة العسكرية في مجلس الأمن ضد صدام حسين -4 مليار دولار- فهل استشير الشعب؟ لم يحدث. وهناك تقارير أخرى تتحدث عن دعم النظام العسكري في الجزائر ضد حركة جبهة الإنقاذ بعشرات المليارات من أموال الشعب دون استشارته. وهذا التخبط مصدره تهميش الشعب واستحواذ النظام السياسي واستفراده باتخاذ القرارات دون تصويت الشعب. أيضا تشير التقارير الدولية إلى أنه في الانتخابات اللبنانية في 2010 دعم المرشح الفاشل سعد الحريري بعشرات المليارات من أموال الشعب لشراء الانتخابات لهذا الشخص دون استشارة الشعب. أي أننا دائما نراهن على هذه الأوراق المحروقة التي لا قيمة لها. والطريف في الأمر أن أحد الأشخاص خرج على وسائل الإعلام الغربية –بدون ذكر اسمه- وذكر أننا نريد أن نثبت أن أي انتخابات في العالم العربي نستطيع أن نتدخل ونقوم بشرائها والتأثير في نتائجها. هذه المغامرات لماذا لا تمول من أموالكم الخاصة وتمول من أموال الشعب؟
تتكرر المسألة الأخرى التي حدثت قبل عدة أيام مما أوردته وسائل الإعلام اللبنانية عن حصول سعد الحريري على 4 مليارات دولار أي 15 مليار ريال من أموال الشعب كعيدية. بأي حق يُعطى سعد الحريري هذا المبلغ دون استشارة الشعب؟
هناك تقارير تتحدث عن تورط المال السعودي في قيادة الثورة المضادة إبان الانتخابات المصرية. كم المبلغ الذي حصل عليه عمرو موسى من المال السعودي؟ كم حصّل أحمد شفيق من المال السعودي؟ هذه تساؤلات لابد أن تُطرح. هناك تقارير دولية تتكلم عن هذه الأرقام لكن مع الأسف الشديد هناك تجاهل كبير لما يحدث في بلدنا.
نحن نريد وزير المالية ورئيس الصندوق السعودي للتنمية أن يذكرا لنا بالأرقام على كم حصل المغرب والأردن ولبنان والبحرين وباكستان وغيرها من الدول من أموال الشعب السعودي. إذا كان هناك تحميل للمسؤولية لمن يعطل التنمية فعلينا أن نعرف من يتحملها. وعلى وزير المالية ورئيس صندوق التنمية أن يمثلا ليخبرا الشعب كم انفق من أمواله دون وجه حق. هذه مسألة مهمة لأننا دائما ما نسمع هذه هدية من الشعب إلى الشعب المغربي أو الأردني أو اللبناني, هل قمتم باستشارة الشعب السعودي قبل أن تقوموا بتوزيع أمواله؟ على الشعب أن يصوت من خلال نوابه المنتخبين على مثل هكذا قرارات. مثل هذه الأشياء علينا أن نبحثها ونسلط الضوء عليها. حتى الأنظمة الفاسدة كنظام بشار الأسد كانت تدعمه بمبالغ هائلة, وكذلك نظام علي عبد الله صالح ومع الأسف لم ينعكس ذلك على التنمية اليمنية بل ذهب المال إلى الطغمة الفاسدة. ومنذ اندلاع الربيع العربي طفق النظام السعودي يوزع أموال الشعب بطريقة غير مقبولة, بأي حق تعطى عمان والبحرين 18 مليار دولار من أموال الشعب؟ هل هو قلق من وصول تأثيرات الربيع العربي؟ هذا لن يعيق هكذا مشاريع بل هو مجرد تبذير واضح لأموال الشعب, وكذلك مشاريع أخرى كالإسكان في الأردن وقطار وجامعة في المغرب ومشاريع هائلة تنفق من أموال الشعب دون استشارته. والشعب يجب أن يكون له الكلمة الأخيرة في إنفاق أمواله.
أيضا عامل آخر هو ليس استحواذ النخب على الأموال العامة فقط بل تبديدها وتبذيرها في مشاريع حول العالم من قصور ومشاريع استثمارية. على رئيس هيئة مكافحة الفساد أن يُطبق من أين لك هذا؟ وأن يتساءل عن مصادر الأموال. إن كنت موظف في الدولة فمرتبك معروف حتى إن لم تنفق أي مبالغ. ونحن نرى أن المبالغ التي ينفقها هؤلاء الأشخاص هي مبالغ هائلة لا تتناسب مع كمية الدخل الذي يحصلون عليه .
النقطة الأخرى هي حق اللجوء السياسي. بلدنا يمنح حق اللجوء السياسي للفاسدين والمجرمين الذين ارتكبوا جرائم في حق شعوبهم, بأي حق يمنح عيدي أمين و ونواز الشريف وزين العابدين حق اللجوء السياسي؟ هذه جريمة. هم يجب أن يقدموا للمحاكمة كمجرمين لما ارتكبوه في حق شعوبهم وبلدانهم وشعوبهم تطالب بذلك.
ادعى قبل فترة النظام السعودي بحق الجار وأن بلادنا مفتوحة وهذا غير صحيح. الذين أتوا للعمرة والحج أعيدوا إلى بلدانهم وما حصل لراشد الغنوشي قبل سنوات خير دليل على ذلك. والأخطر أن هناك تقارير تتحدث عن اعتقال أشخاص أتوا للزيارة وتسليمهم للأنظمة الفاسدة مثل نظام معمر القذافي وزين العابدين بن علي وهذا موثق. شخص يأتي للحج في بيت الله الحرام وينتهي بتسليمه لهذه الأنظمة الفاسدة كما حصل لذاك الليبي الذي اعتقدوا أنه قتل فوجدوه في أحد سجون القذافي. أيضا التآمر مع الأنظمة العربية الفاسدة وهذا أمر مخزي أن كثير من الاعتقالات السياسية التي حدثت لدينا لكثير من الأجانب وخصوصا المصريين تمت بإيعاز من النظام المصري. تخيل أننا أصبحنا جهة اعتقال تنفذ أجندة النظام الفاسد كنظام مبارك وبن علي. وهناك أدلة على هذا الكلام. كان حسني مبارك يقول إذا اعتقلت هؤلاء الأشخاص يجب أن أقدمهم إلى النيابة خلال فترة قصيرة جدا, في السعودية يمكنهم اعتقالهم إلى ما يشاءون. فهولا يريدهم أن يعودوا ونحن مع الأسف ننفذ.
العبث بمقدرات الأمة وهذه نقطة طويلة وسوف أختصرها. أسماء من عبثوا بالمال العام موجودة وبإمكاننا أن نثبت هذا وهذا ليس بالشيء الجديد. أنا بعثت قبل عدة سنوات خطاب لكبار المسئولين في الدولة عن الفساد الإداري الموجود في الوزارات, فماذا كانت النتيجة؟ لم يحدث أي شيء بل أن جميع الأشخاص الذين تقدمت بشكوى ضدهم ترقوا إلى وظائف عليا وتم تكريمهم بشكل أو بآخر في حين تم إحالتي وزميلي إلى التحقيق في المباحث الإدارية.
وبالتالي أنا أطلب من المدعي العام _إن كان صادقا- في دفاعه عن التنمية المعطلة أن يحقق في صفقة اليمامة التي نهبت مقدرات الأمة والتي تقدر بمئات المليارات. على المدعي العام ورئيس هيئة النزاهة أن يفتحا تحقيقا وأن يبحثا في الكسب غير المشروع والاشتراك في صفقات السلاح الكبيرة التي توقع بين الفينة والأخرى دون استشارة أو تصويت الشعب. ولعل أبرز مثال هو الصفقة التي يتم التحقيق فيها في بريطانيا عن وهي صفقة الاتصالات بين BA System والحرس الوطني. أطالب المدعي العام ورئيس هيئة الرقابة والتحقيق ورئيس ديوان المراقبة العامة ورئيس المباحث الإدارية –إن كانوا صادقين في البحث عن معطلي التنمية- أن يحققوا في هذه الصفقة وهم يعلمون تماما من حصل على الرشاوى جراء الصفقة كما نعرفهم. ولم يتغير شيء ولن يتغير شيء على ما يبدو في المستقبل.
والفساد في البلد ليس فسادا إداريا أو ماليا بسيطا كما يعتقد البعض أنه موجود في بقية دول العالم, بل هو فساد سياسي. النافذون في النظام السياسي متورطون في هذا الفساد واستغلال مناصبهم للكسب غير المشروع ولدينا أدلة ,و كذلك خاطبنا المسئولين بلا نتيجة. على المدعي العام أن يحقق أيضا لماذا شركة دلة البركة هي المقاول الوحيد مع وزارة الداخلية؟ ولماذا هي المقاول في مشروع سارق أو ما يعرف بساهر؟ ومن هم المستفيدين من داخل وزارة الداخلية؟ من الذي يحصل على هذه المبالغ؟ وأنا أطالب أيضا جميع المسئولين في الأجهزة الرقابية في الدولة سواء هيئة الرقابة والتحقيق والمراقبة العامة أو هيئة النزاهة بالتحقيق في الخمسة مليارات التي حصلت عليها حماية الأرصاد والبيئة التي يرأسها أحد أبطال صفقة اليمامة. 5 مليارات دولار ووضعت لتنظيف الآثار البيئية لحرب الخليج والتي مر عليها أكثر من 20 سنة ما هي إلا سرقة واضحة.
عليهم أن يحققوا في الميزانيات الكبيرة التي كانت ترصد لما يعرف بوزارة الأشغال العامة والإسكان. ما مصير هذه المليارات والميزانيات السنوية التي كانت ترصد أكثر من عشرين سنة ؟ ما هو إنتاج هذه الوزارة ؟
على فكرة سرقة المال العام ﻻتسقط بالتقادم بل هي موجودة فقط يتم التحقيق فيها والبحث عن المسئولين عن مصير هذه الأموال. معطلو التنمية هم الذين استولوا أيضا على مساحات شاسعة من الأراضي ورأينا الصكوك التي تم تداولها في الفترة الماضية بمئات الملايين من الأمتار المربعة، بل أن الأمير لم يكتفي بهذا الشيء ومدوا الأسلاك الشائكة على المساحات الشاسعة. من هم هؤلاء الأشخاص؟
على المدعي العام والأجهزة الرقابية أن تبحث عن هذه المشكلة، و وزير الشؤون البلدية و القروية لديه الأدلة الدامغة لو مثل أمام لجنة حتى يثبت مثل هذا الكلام. بل أنهم لم يكتفوا بالاستحواذ على الأراضي البيضاء أو حتى الأراضي الخالية من خلال مد الشبوك إلى هذه الأراضي بل استحوذوا على الواجهات البحرية للبلد. تقارير تتحدث عن أن 96 % من واجهات البلد البحرية تم الاستيلاء عليها! من هو المسئول ؟ هؤلاء هم المعطلون الحقيقيون للتنمية؟
أنهم النافذون في النظام السياسي- قاموا بدفن الكثير من الواجهات البحرية و تدمير للبيئة البحرية حتى يحصلوا على أراضي يقومون ببيعها على المواطنين والاستيلاء على أموال طائلة دون وجه حق.أيضا ملف عقود المقاولات عليه أن يفتح، من هم هؤلاء المقاولون اللذين استحوذوا على أموال طائلة من البلد دون أن يقوموا بالتنفيذ؟ ولنا بكارثة جدة أكبر دليل. وﻻزالت المحكمة لم تستطع إدانة أي شخص لأن الأشخاص الذين تورطوا فيها نافذين بالنظام السياسي و لعل أبرزهم شركة البلاد ونحن نعرف من هو مالكها و أنا كتبت من هو مالكها.
أيضا شركات المقاولات التي تحتكرها شركات معينة. ثلاث أو أربع شركات هي المستحوذة على مئات المليارات من أموال الشعب. على وزير المالية أن يخبرنا ما هي مستحقات أو مستخلصات شركة سعودي أوجيه وشركة بن لادن والشركات الأخرى حتى نعرف من معطلو التنمية الحقيقيون.
أبرز معيقو التنمية هم النافذين في النظام السياسي الذين يحصلون على عقود دون أية خبرات. ولعل شبكة القطارات دليل دامغ على مثل هذه العقود والتي وقعت قبل ثلاثة أشهر بثلاثين مليار ريال,فماذا نفذ في المرحلة اﻻولى ؟
أنا أطالب رئيس المؤسسة العامة لسكك الحديد أن يبلغنا عن كراسة المواصفات لهذه العقود وما هي الإجراءات التي تم من خلالها ترسيه مثل هذه المشاريع . إن كانوا صدقا يريدون أن يمسكوا بمعطلي التنمية على رئيس المؤسسة العامة لسكك الحديد أن يخبرنا كيف تم منح هذا العقد لهذه الشركة وماذا نفذ في المرحلة الأولى والمرحلة الثانية. ولعل من إحدى النكت التي المتداولة بشبكة الإنترنت هي ما يسمى بمترو الرياض الذي تم الحديث عنه قبل فترة. أين هو هذا المترو؟ بل الأخطر قطار المشاعر الذي أصبح عرضة للتندر كخردة صينية تم بيعها علينا بعشرات المليارات من مال الشعب دون أن نعلم ، في حين أن قطار المغرب السريع الذي نفذ بربع القيمة يربط مدينتين بعيدتين عن بعض و بقمة التكنولوجيا.
وأتمنى من محافظ المؤسسة العامة للطيران المدني أن يخبرنا كيف تم منح رخصة تجارية لنقل الركاب محلياً ودولياً لشركة سماء للطيران و شركة ناس؟ نحن نعرف المالكين الحقيقيين وهؤلاء هم المعطلون الحقيقيون للتنمية.
نطالب وزير العمل أيضا أن يخبرنا كيف فشلت السعودة؟ ومن هو المسئول عن إفشال السعودة؟ نحن نعرف تماما كيف فشلت السعودة، فشلت السعودة عندما وصلت لمشاريع النافذين في النظام السياسي، هم نفسهم النافذون في النظام السياسي من عطل وتسبب في بطالة أبناء البلد من خلال إغراق البلد بالتأشيرات ونحن نطالب وزير العمل إن كان صادقاً أن ينشر أسماء كبار الأشخاص الذين لديهم العمالة بشكل مباشر وحتى الذين يملكون شركاتها. هذه مسألة في غاية الأهمية.
ونطالب رئيس هيئة السوق المالية أن يخبرنا عن خلفية انهيار سوق الأسهم في فبراير 2006م ومن هم الأشخاص المسئولون عن هذا الانهيار إن كانوا صادقين في البحث عن معطلو التنمية- وعليه أن يخبرنا عن الشركات التي طرحت الفترة الماضية للاكتتاب, لماذا المبالغة في قيمة الأصول؟ و لماذا أحيانا علاوة الإصدار تفوق قيمة السهم عشرات الأضعاف؟ نحن نعلم بأن المالك الحقيقي لهذه الشركات هم أشخاص نافذين في النظام السياسي وواجهاتهم مواطنين عاديين. لهذا السبب نحن نطالب رئيس هيئة سوق المال أن يكشف لنا مثل هذه الحقائق بل على رئيس هيئة سوق المال و وزير التجارة أن يكشفوا لنا عن أسباب تعثر المساهمات التجارية التي انكشفت في الفترة الماضية. نحن نعرف أن أمراء المناطق متورطون في تعطيل مثل هذه المشاريع بهدف الاستيلاء عليها, فعليهم أن يكشفوا عن معطلي التنمية الحقيقيين في هذا الشأن.
و على وزير الصحة أن يخبرنا عن كبار المقاولين مع الوزارة. من هم هؤلاء المقاولين الذين ينفذون مشاريع الوزارة والذين يقومون بتشغيل مستشفيات الوزارة؟ وكيف تنفق الميزانية السنوية للوزارة؟ ولماذا الخدمات الصحية لدينا متردية بحيث أن الشخص ﻻيستطيع أن يجد سرير لتلقي العلاج؟-وما شاهدناه للطفل عبد الله العنزي مثال دامغ في هذا الشأن- ومن هم أكبر مقاولو شركات الأدوية؟ حتى نعرف من هو المعطل الحقيقي للتنمية ! لماذا لم تنفذ المدن الطبية الصحية التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين قبل عدة سنوات ؟ لماذا تعطل مثل هذا المشروع ! نطالب وزير الصحة أن يكشف لنا عن ميزانية مستشفى الملك فيصل التخصصي الذي خصص لعلية القوم في حين يحرم المواطنين العاديين من العلاج فيه إلا بشق الأنفس . عليه أن يكشف عن هذه الأرقام لأنها تصرف من المال العام وليست من المال الخاص لا بمال وزير الصحة وﻻ المسئولين بالنظام السياسي.
ونطالب وزير النقل أن يخبرنا عن أسماء كبار ملاك شركات المقاولات المتعاقدين مع الوزارة الذين ينفذون الطرق ويقومون بالإشراف عليها وصيانتها حتى نعرف بأن هذه المبالغ التي تدفع إنما هي تذهب لأشخاص نافذين في النظام السياسي مرة أخرى.وأيضا ماذا حل بقرار خادم الحرمين الشريفين بسعودة سيارات الأجرة؟ ووزير النقل هو المسئول الأول عن مثل هكذا قرار، لماذا عطل هذا القرار؟ هل ملاك أجرة عاديين من المواطنين يستطيعون تعطيل قرار سياسي صادر من قمة الهرم؟ نحن نعرف بأن اللذين يملكون هذه الشركات هم أشخاص نافذين في النظام السياسي تحت مظلة واجهات من المواطنين.
ولعل أيضاً وزير البترول و الثروة المعدنية يعطينا معلومات دقيقة عن الإنتاج اليومي من النفط والغاز و المعادن الأخرى وما هو مصير دخل الدولة من هذه الأموال وما هي تعاقدات الوزارة من خلال شركة أرامكو السعودية مع شركة الظهران للنفط و الغاز, هذه الشركة التي تقدر أصولها بمئات المليارات من الدولارات. نحن نعرف من هو المالك لهذه الشركة لكن نريد من وزير المالية أن يكشف عن هذه الأسماء ولماذا تُمنح امتيازات لإنتاج الحجر و الأسمنت لأشخاص نافذين في النظام السياسي؟ لماذا يحرم باقي الشعب من هذه الحقوق والامتياز يمنح لأشخاص معينين يقومون بتدمير البيئة و تكسير الجبال وبيع البلد بكافة مقوماته للدول المجاورة.
وأطالب وزير التربية والتعليم أن يشرح لنا لماذا فشل التعليم لدينا؟ وما هو مصير هذه الميزانية الهائلة التي تتمتع بها وزارة التربية و التعليم السنوية؟ كيف تصرف؟ ولماذا أبناؤنا الآن يدرسون في مباني مستأجرة وآيلة للسقوط؟ بل أنهم يدرسون بمطابخ وحمامات أكرمكم الله! وكيف وصل بلد ينتج أكثر من عشر آلاف برميل من النفط الخام يومياً, ناهيك عن دخول الدولة الأخرى الذي يصل لعشرة ملايين, لهذا الوضع المتردي؟ لماذا التعاقدات التي وقعت مع الشركة الصينية لإنتاج مدارس تبنيها تلك الشركة و لماذا تم تضخيم العقد بطريقة غير مقبولة في حين أن الشركة الصينية نشرت الأرقام الحقيقية على موقعها؟ وماذا حل بمشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم الذي رصدت له عشرات المليارات؟ كيف صرف هذا المشروع وما هي ثمراته وما هو إنتاجه؟ حتى نعرف معوقي التنمية الحقيقيين.
ولعل وزير الثقافة والإعلام يزودنا بالأرقام التي دفعت في تأسيس محطة الأم بي سي. ما هي الأرقام التي دفعت لهذه المحطة؟ وما هي المدفوعات السنوية التي تحصل عليها هذه المجموعة من أموال الشعب؟ وهل ما قامت به المحطة في رمضان الماضي بنشر صور مخلة تروج -أكرمكم الله- للدعارة في مسلسل فرقة ناجي عطا الله أو حتى الخمور في مسلسل يسمى الخواجة عبد القادر مقبول؟ بل ما هو موقف الوزارة من ترويج مجموعة إم بي سي من خلال قنواتها أو من خلال محطتها الإذاعية للقمار فيما يسمى مسابقة الحلم؟ كم حصلت هذه المحطة من أموال الشعب؟ تتكلم عن ثلاثين مليون ريال خلال فترة قصيرة جداً,فهل حصلت على ترخيص للقيام بمثل هذا المشروع ؟ هل حصلت الأم بي سي في الفترة الماضية على تصريح لإنشاء محطة إذاعية داخل البلد؟ أم لأن من يملكها أشخاص نافذين في النظام السياسي؟
ولعل وزير التجارة والصناعة يكشف لنا أسماء محتكري السلع الإستراتيجية مثل المواد الغذائية و مواد البناء و وكالات السيارات. نحن ﻻنريد الواجهات, نحن نريد الأسماء الحقيقية للأشخاص الذين يملكون هذه الوكالات,الذين أعطوا بطريقة غير نظامية حق حصري في احتكار هذه السلع واستغلال المواطنين. لهذا ارتفعت الأسعار بشكل كبير جداً.
وفي الختام فإني أطالب رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد أن يكشف الذمة المالية لجميع كبار المسئولين بالدولة دون استثناء كائن من كان. ليكشف الذمم المالية لهم خصوصا الوزراء و نواب الوزراء و موظفو المراتب العليا بما في ذلك أمراء المناطق ونوابهم حتى نعرف من هم معطلو التنمية. ولينشر قوائم بممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة بما في ذلك المخططات السكنية و التجارية التي يملكونها مباشرة أو من خلال وسطاء و أسماء شركائهم التجاريين والشركات التي يملكونها بما في ذلك حساباتهم السرية في الشركات الأجنبية. هل يستطيع رئيس هيئة حماية النزاهة ومكافحة الفساد أن يطالب بمثل هذا القرار حتى نعلم من هم معيقي التنمية؟ وحتى تطبق الهيئة في حقهم قانون (من أين لك هذا؟)؟ وتلاحقهم قانونياً وقضائياً من أجل إعادة أموال الشعب التي استحوذ عليها مجموعة من اللصوص بدون وجه حق.
نحن نطالب الأجهزة الرقابية بأن تقوم بدورها وتكشف ذممنا المالية لأننا الآن متهمين بتعطيل التنمية. فعلى رئيس هيئة حماية النزاهة ومكافحة الفساد والأجهزة الرقابية الأخرى أن تكشف ما الذي حصلنا عليه بدون وجه حق؟
هذا تحدي بيننا وبينهم ونحن مستعدين أن نكشف الأموال التي تم الاستحواذ عليها. لدينا معلومات دقيقة ونحن مستعدين لتقديمها لهيئة حماية النزاهة ومكافحة الفساد إذا كان لديهم الاستعداد.

(١٣) هل نحن أمام حرب بالوكالة في المنطقة؟ – الدكتور محمد القحطاني
الموضوع المطروح هو ما هي انعكاسات وجود حرب بالوكالة في المنطقة على الوضع الداخلي؟ كما سنرى في وسائل التحليل في ما يتعلق بالمستقبل هناك ثلاث خطوات مهمة على الباحث أن يطرحها ليصل للنتيجة المطلوبة.
الحرب بالوكالة هي عندما يقوم طرف بأعمال الحرب بالنيابة عن طرف آخر سواء عن طريق المشاركة العسكرية في القتال أو تقديم مقاتلين متطوعين أو من خلال التمويل المادي أو الدعم المعنوي في المحافل الدولية. بمعنى هناك دولة أو جهة أخرى -ليست بالضرورة دولة كما سنرى- تقوم بحرب بالوكالة عن دولة أخرى وليس بالضرورة أن الذي يقوم بالقتال دولة ذات سيادة. ليس بالضرورة دولة ولكن قد تكون أيضاً جماعات قتالية أو أقلية عرقية أو حزب سياسي. يعني حزب سياسي موجود في بلد معين ما هو إلا جهاز يقوم بحرب بالوكالة عن جهة أخرى خارجية. لكن السؤال لماذا تلجأ الدول إلى استخدام نموذج الحرب بالوكالة للتدخل في الدول الأخرى؟ الدول المختلفة في تنفيذ سياستها الخارجية نحو دولة ما لديها خيارات تبدأ بالمباحثات المباشرة، استخدام وسائل القوة الناعمة (وسائل الترغيب)، أو حتى استخدام القوة العسكرية أو القوة الصلبة بما في ذلك استخدام وكلاء للمشاركة في المعركة (استخدام نموذج الحرب بالوكالة). وعادة ما تحبذ الدول أن يكون لها موطئ قدم في الدول الأخرى لترعى مصالحها الإستراتيجية من خلال الوكلاء تماشياً مع التزامات القانون الدولي. الآن غير مقبول أن دولة تتدخل في دولة أخرى عسكرياً. هذا ينظر على أنه احتلال وعليه انعكاسات كبيرة جداً. وتفادياً لأن تصبح طرفا مباشراً في صراع سياسي في دولة أجنبية وتخوفاً من تورط البلد في حرب استنزاف طويلة الأمد. بمعنى قد يبدو الموضوع كأنه تدخل عسكري بسيط لحل مشكلة ما ثم يتطور الأمر إلى أن يصبح بمثل مستنقع . الآن المجتمع الفرنسي فيه مخاوف أن يتحول التدخل في مالي إلى مستنقع قد يمتد لسنوات. التدخل العسكري في أي بلد آخر له تبعات كبيرة جداً. هذا التدخل قد يترتب عليه خسائر كبيرة في الأرواح والأموال ناهيك على أن إجراءات التدخل العسكري تتطلب موافقة نواب الأمة المنتخبين . في الدول العظمى لا يستطيع الرئيس وحتى لو كان منتخباً أن يتخذ قرار الحرب مباشرة. لا بد أن يوافق عليه البرلمان وهناك خطوات معروفة في إعلان الحرب. إعلان الحرب يجب أن يعلن في الكونغرس في الولايات المتحدة الأمريكية. لذا لا بد من ضمان التمويل والتجنيد والحشد العسكري. كل هذه تكاليف سيدفعها البلد. لا يمكن للرئيس أن ينفرد بقرار الحرب في البلد بالعكس في الدول الشمولية حيث عادة ما يتخذ القرار شخص واحد ويتحمل تبعاته البلد كاملاً.

وعادة ما يُرفض ذلك خصوصاً عندما لا تلبي الحرب المصالح الوطنية. قد يتقدم الحزب الحاكم أو الرئيس بطلب إعلان الحرب على بلد أخرى ثم يُرفض مثل هذا الطلب. فقد تشارك بلد في حرب سواء مباشرة أو من خلال الوكالة حتى تحقق القيادة السياسية الحاكمة مكاسب شخصية والتي قد لا توافق بالضرورة المصالح الإستراتيجية للبلد. مثلاً تجد أحيانا أن الرئيس المنتخب يطلب من البرلمان تفويض بالتدخل العسكري في بلد آخر أو حتى تمويل حرب معينة لطرف أخر ويرفض. ولأعطيكم مثالاً واضحاً عندما طلب الرئيس رونالد ريغان في أوساط الثمانينات التدخل في نيكاراغوا لدعم ثوار الكونترا ورفض الكونغرس. اضطر أن يلجأ لإيجاد تمويل خارجي لدعم ثوار الكونترا. هذا بالنسبة للدولة التي تعتبر المًوِكلة، هذي هي دوافعها حيث أحيانا ليس بالضرورة تستطيع تنفيذ العمل بنفسك فتلجأ إلى أن تجد وكيل ليقوم الحرب نيابة عنك.
ما هي دوافع الدولة الوكيلة؟ الذي تقوم بالحرب أو المشاركة في الحرب.
أولاً، هناك الدعم والمكاسب من الدولة الموكلة. أحياناً هناك دعم مادي هائل تتحصل عليه الجهة الوكيلة للقيام بالحرب. وهذا أمر موجود. كثير يأتيها دعم مادي هائل. يأتيها دعم كبير جداً تستفيد منه هذه الدولة. وفي الحقيقة ليس فقط في الحروب هناك الآن دول فقيرة في العالم تستفيد من هذا النموذج. كيف؟
قوات حفظ السلام هناك دول معينة تستفيد من هذا المشروع من خلال تزويد حفظ السلام بجنود تحصل من خلالهم على دفعات مالية. أيضاً هناك ما يُسمى المكاسب الأيديولوجية. أحياناً هناك جهة ما تدفع بقوة معينة في بلد فيها حرب أهلية نحو القتال لتحقيق مكاسب أيديولوجية. تشترك هي وتلك الجهة في أيديولوجية معينة وهذا أيضاً موجود. أيضاً المكاسب السياسية أحيانا عندما تقوم جهة ما بالمساهمة في حرب الوكالة هناك مكاسب سياسية يتم تحقيقها. وأيضاً قد يكون هناك هدف أكبر و أوضح وهو تشتيت القوى الوطنية عن المشاكل الداخلية وتفتيت قوى الشباب. أحياناً هناك دولة، -كما سنرى- فيها مشاكل داخلية فالحل هو أن تشارك في حرب بالوكالة في دولة أخرى لتشتيت الانتباه. وذلك يتم حتى في الدول الكبرى. عندما يتم انتخاب رئيس ليس لديه الشعبية الكافية فعادة ما يورط البلد في حرب كبيرة جداً لرفع شعبيته لأن الدولة عندما تدخل في حرب تستنهض القوى الوطنية ودعم الجيش وما إلى ذلك من الشعارات التي ترفع عادة في هذا النوع من المعارك.
نظراً لغياب مراكز الأبحاث المستقلة خصوصاً لدينا في البلد هنا ليس لدينا مراكز أبحاث مستقلة تستطيع أن تعتمد عليها أو مصادر معلومات مستقلة. وهناك ثلاث خطوات لأجل الوصول لتحليل لدقيق لأسباب ودوافع ما إذا كنا على أعتاب حرب جديدة بالوكالة. وهذه الوسائل للبحث عندك المعلومات التاريخية. إذا تريد أن تبحث في سلوك دولة معينة فيجب أن تبحث في تاريخها حول دوافع النظام السياسي في الدخول في حروب بالوكالة (hindsight). أي بمعنى، لديك معلومات مكتملة، تجربة مكتملة تاريخية تقوم بتحليلها وترى هل النموذج يتكرر وفي الغالب هو يتكرر. ثم لديك المعلومات المتاحة الحالية خصوصا المعلومات الداخلية في الدولة المًوِكلة أو الدولة أو الجهة الوكيلة في الحرب بالوكالة ( In-sight). لديك معلومات داخلية من الأوضاع الحالية. وحتى تكتمل قضية التحليل للمستقبل -التنبؤ بالمستقبل- تقوم بما يسمى (foresight) أي تنظر للمستقبل ومدى إمكانية النظر إلى المستقبل من هذه الزوايا التي طرحتها. فبالنسبة للمعلومات التاريخية، ما هي المعلومات التي لدينا التي قد تتكرر في الوقت الحالي؟ المعلومات التالية هي عن حروب الوكالة. لدينا تجربة في الثمانيات. ماذا حدث في أواخر السبعينات؟ ما الذي حدث عام ؟1979 م ثلاث أحداث كبيرة جداً تزامنت في المنطقة لدينا أحداث احتلال الحرم، ولدينا الثورة الإيرانية، ولدينا الاجتياح السوفييتي لأفغانستان. وكان هناك مخاوف أن تؤثر الثورة الإيرانية لدينا بشكل وآخر. كان هناك قلق لا سيما أن أحداث الحرم أيضاً حدثت في نفس الفترة وقد تتكرر مرة أخرى، فكان لا بد من تبني سياسية معينة لتخفيف الضغط من الواقع الداخلي. ما هي السياسات التي اتبعت؟ هي إعلان الجهاد في أفغانستان. كانت هذه إحدى السياسات. السياسة الأخرى كانت تبني حرب بالوكالة من خلال تمويل الحرب العراقية الإيرانية. فكانت هذه السياستين مهمتين جداً في تشتيت الانتباه عن الساحة الداخلية. وما الذي حدث؟
الذي حدث أنه تم إنشاء مراكز لتجنيد الشباب وإيجاد فتاوى لحض الناس على الجهاد ودعم مالي هائل للمقاتلين. إنفاق بشكل كبير جداً على الحرب في أفغانستان وأيضاً إنفاق عسكري هائل على نظام صدام حسين آنذاك. ما الذي حدث؟
حقيقة هي حلت مشكلة وقتية لكن تكلفتها في الأجل الطويل كانت كبيرة كما نعلم دون الدخول في التفاصيل. أيضاً من التجارب المهمة هو ما أورده الصحفي البريطاني أندرو هاموند في كتابه :الطوبية الإسلاموية
(The Islamic Utopia: The Illusion of Reform in Saudi Arabia by Andrew Hammond) : وذكر حادثة حدثت منذ سنوات بسيطة في مخيم نهر البارد في لبنان. الذي حدث: هناك شباب سعوديين خرجوا من البلد متسلحين بفتاوى لقتال طائفي في لبنان، وانضموا لمخيم نهر البارد. ما الذي حدث وفقاً لأندرو هاموند؟ الحكومة السعودية سلحت جيش لبنان وطلبت منه إبادة من في المخيم خصوصا العناصر العسكرية. ومع الأسف التاريخ يعيد نفسه.

ما هي المعلومات الحالية التي لدينا من الواقع سواء في العالم، في الولايات المتحدة الأمريكية، الأوضاع في الشرق الأوسط، الأوضاع في الخليج، والأوضاع في المملكة العربية السعودية التي قد تدعم أو قد لا تؤدي إلى حرب بالوكالة؟
أولا بالنسبة للأوضاع الدولية: هي غير مؤاتية لنشوب حرب جديدة في المنطقة. الأوضاع الاقتصادية ليست مشجعة . هناك مشاكل سياسية كبيرة جداً لن تكون من مصالح الدول تمويل أو الدخول في حروب في أي جزء من العالم. في الولايات المتحدة الأمريكية، لو اُنتخب رومني لكان منتج طبيعي أن تحدث حرب في المنطقة بشكل أو آخر. لكن إدارة الرئيس أوباما الآن هي منشغلة بالوضع الداخلي، لديها مشاكل اقتصادية كبيرة، تريد أن تعالج الوضع الداخلي الأمريكي، تريد أن تركز على الوضع الداخلي و ليس لديها رغبة في الدخول في صراعات جديدة.
أوضاع منطقة الشرق الأوسط هي أيضاً مضطربة. إذا كان الوضعين الأولين غير مؤاتين فإن الوضع الثالث هو مؤات بشكل كبير جداً. هناك مشاكل كبيرة جداً في المنقطة. هناك دول فيها صراعات تريد تصدير هذه الصراعات للدول الأخرى. هناك المشاكل الطائفية التي بدأت ترتفع على السطح بشكل كبير، وبالتالي قد تؤدي إلى نتائج كبيرة في هذا الشأن.
ما هي الأوضاع في منطقة الخليج؟ دول الخليج لا زالت تعتقد بأنها أفلتت من الربيع العربي. سقف المطالب الشعبية ارتفع. الأنظمة رفضت إجراء أي إصلاحات سياسية. هناك هلع لدى الأنظمة ولم تصرح به من وصول موجات الربيع العربي لحدودها. هناك قلق والدليل هي ردود الأفعال التي اتبعت من جلب مجموعات مرتزقة إلى محاولة دعم الثورة المضادة في البلدان الأخرى. جميع هذه هي ردود أفعال تحكم أن هناك قلق. هناك أيضاً معاداة لأنظمة الربيع العربي. هذه الحكومات التي أوجدت بعد الربيع العربي، تولد لدى بعض الأنظمة في دول الخليج عداء واضح لها. وهذا العداء استخدموا فيها لغة ليست لغة عداء سياسياً لكن إيديولوجيا. كما ترون في الحكومة المنتخبة في مصر، هناك عداء لما يسمى بتيار الإخوان لكن في الحقيقة هو عداء للنظام السياسي الذي تولد بآليات ديمقراطية. وأيضا تمويل عناصر وأنظمة مضادة للديمقراطية. هناك دعم يعطى لأنظمة لحمايتها من السقوط. وأيضا عناصر -كما تورد التقارير الدولية- لأحزاب سياسية وتجمعات معادية للديمقراطية لقيادة ما يسمى بالثورة المضادة ضد التحرك الديمقراطي والهدف منه هو حماية المنطقة من وصول موجات الربيع العربي.

ما الذي لدينا من أدلة عن حماس الأجهزة الأمنية لدينا في تصدير الشباب للمشاركة في حرب طائفية بالوكالة في المنطقة؟ هذه أدلة واضحة:
أولا، منذ اندلعت الثورة السورية -كما تعلمون وكما تابعنا- تصور للناس على أنها حرب طائفية. أنا لا أعلم لماذا تصور بأنها حرب طائفية وكأنها لا تمثل كافة مكونات الشعب السوري الباحث عن الحرية والعزة والكرامة وهذا ليس صحيح. عندما تصور الثورة السورية بأنها ثورة طائفية فأنت تختزل الثورة السورية. وتصورها بمنظر يسئ لها بدليل أن جميع مكونات الشعب السوري موجودة وممثلة في هذه الثورة فعندما تختزلها بأنها طائفية فأنت تجني عليها. وحقيقة هذه هي الأسباب الواضحة لتصويرها بأنها صراع طائفي.
ثانيا، هناك شهادات متواترة أخبرنا عنها كثير من المعتقلين السياسيين الذين تم الإفراج عنهم مؤخراً واستمعنا لها هنا أيضاً. شهادات متواترة من أشخاص تم الإفراج عنهم تم الالتقاء بهم من قبل كبار المسئولين في وزارة الداخلية. وقالوا لهم صراحة بأننا قمنا بالإفراج عنكم لأن بلدكم تحتاجكم في هذا الوقت في الدفاع عنها ضد أعدائها. وكان يقابلهم مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية ،آنذاك الذي هو وزير الداخلية الحالي، والذي يصر على استخدام عبارات مفعمة بالطائفية وكأن المنطقة ستدخل في حرب طائفية.
ثالثاً: وهذه هي أيضاً إشارة مهمة، إلى الحكم القضائي الذي أصدره القاضي إبراهيم الحسني ضد تسعة عشر شاب من الذين شاركوا في اعتصام سلمي أمام سجن المباحث بالطرفية وحكم عليهم بالسجن والجلد المغلظ لمجرد مشاركتهم في تجمع سلمي. أتي بهم إلى المحكمة. في اليوم الأول أعطوا لائحة الاتهام، في اليوم الثاني أصدر عليهم حكم بالسجن والجلد المغلظ ثم وفق ما أدلى به ذوو الموقوفين ألقى فيهم القاضي الحسني خطبة مطولة أوضح فيها أن تويتر والفيسبوك هما أدوات الصهيونية العالمية ويتآمرون على بلادنا وأن الأعداء الحقيقيون هم الرافضة وما يقومون به ضد إخواننا في سوريا -على حد قوله-. فماذا كانت النتيجة؟
غادر بعضهم البلاد وعبر الحدود لسوريا. لاحظ، عندما يُدعى شخص للتحقيق -مجرد دعوته للتحقيق- تقوم وزارة الداخلية بمنعه من السفر. لماذا لم يُمنع هؤلاء الشباب من السفر إذا كانوا خطراً أو هناك شك بعبورهم الحدود الدولية؟ ولقي أحدهم على الأقل حتفه هناك كما أوردت صحيفة لندن تايمز التي كتبت قصة عن ما حدث لهؤلاء الشباب. فهل يا ترى تم عقاب القاضي الحسني أو أن ما قام به يعكس فعلاً وجهة نظر الداخلية السعودية؟ هذا سؤال مطروح.

رابعاً، ما أخبرني به بعض أهالي المعتقلين في سجون المباحث على خلفية اتهامهم بالمشاركة في مظاهرات سلمية. مجموعة من الأسر الذين اعتقل شبابهم على خلفية مظاهرات سلمية في السجون. قبل بضعة أيام عَرضوا عليهم صراحة محققي المباحث أن عليهم الموافقة للذهاب لسوريا للقتال مقابل العفو عنهم. أي إذا وافقتم على أن تذهبون لسوريا، -هذه قد لا تكون مكتوبة لكن هذا هو الواقع- فسوف نعفو عنكم.

يتساءل البعض: ما سر هذا التناقض؟ الموقف الذي يتخذه النظام السياسي بدعمه الثورة السورية وتسليح المعارضة -حيث تذكرون قبل سنة ونصف تقريباً هناك إعلان عن دعم الثورة السورية ثم أتى هناك إعلان آخر عن تسليح المعارضة- ثم بعدها يتم اعتقال من يقوم بجمع تبرعات عينية وإنسانية للشعب السوري؟ والآن هذه القرائن التي ذكرتها، ما هو هذا التناقض؟ بالنسبة لي ليس هناك تناقض وسوف أشرح لماذا. هناك تضارب في المكاسب السياسية المرتبطة بالإعلان عن دعم الثورة الشعبية السورية والتي أصبحت ضئيلة في مقابل التخلص من الشباب المشاركين في المظاهرات والاعتصامات. لديك إشكالية داخلية تريد تصديرها في هذه الحرب بالوكالة لكن الإشكالية ليس هناك موافقة دولية على هذه الحرب. لذلك هذا هو مصدر هذا التناقض. وبالتالي هؤلاء الشباب بالفعل أضحوا مصدر إزعاج للنظام السياسي الذي يحاول جاهداً الحفاظ على الوضع القائم بأية ثمن وعادة ما تكون سياساته قصيرة الأجل. عادة نحن لا نفكر بالأجل الطويل. لو فكر النظام السعودي في تدخله بأفغانستان بان النتيجة سوف تكون مأساوية لن يتدخل لكن كان علاجاً وقتياً لمشكلة وقتية. فعادة لا نأخذ بعين الاعتبار الآثار الجانبية والتكاليف الأخرى. هو مثل طبيب يعالج مشكلة بسيطة جداً بالبتر. وفي اعتقادي على الرغم من تضارب الأهداف بين الحلفاء التقليديين وعدم مؤاتاة الظروف الدولية لحروب جديدة فسوف يكون هناك سماح لبعض العناصر المقاتلة للذهاب سرا على أن تغض الأجهزة الأمنية الطرف عنهم. أي الذي يريد أن يذهب فالحدود مفتوحة. وماذا سيحدث؟
حرب أفغانستان جديدة في سوريا تسيء للثورة السورية وتظهرها للعالم كثورة طائفية ويتحقق الهدف بالزج بالشباب في أتون حرب جديدة بالوكالة ومن ثم القضاء عليهم، وهذه هي أماني النظام السياسي. لكن نقول للنظام السياسي، بأننا لن نسمح لك وسنفضح المخطط الذي يستهدف شباب البلد بالقضاء عليهم في حروب بالوكالة ومن سلم منهم تلاحقهم المعتقلات والتعذيب والحرمان من أبسط الحقوق. هذا المخطط الذي يستهدف الشباب وجرهم لحروب بالوكالة علينا أن نرفضه وعلى مكونات المجتمع ومثقفيه أن تقف أمام مأساة أخرى مثل مأساة أفغانستان مهما كانت تكلفة ذلك. علينا أن نوعي الشباب بهذا الوضع. يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم )” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.
أقول للشباب حذار حذار أن تستدرجوا أو تخدعوا إلى حرب جديدة بالوكالة وينبغي أن نبقي تجربة أفغانستان المريرة ماثلة أمام أعيننا فلقد تم دعوتكم وتجنيدكم ودعمكم للقتال بأفغانستان فماذا كانت النتيجة؟
أصبح شبابنا بين قتيل ومعاق وسجين ومطارد دولياً. عليكم أن لا تنخدعوا مرة أخرى بحرب جديدة بالوكالة مدعومة بفتاوى عن فضل الجهاد في سبيل الله. واختبار المصداقية سهل جدا: إذا تم مثل هذا السيناريو ففضحه سهل جداً. فما عليكم إلا أن تتساءلوا عن سبب عدم مشاركة أبناء النافذين في النظام السياسي في حرب أفغانستان في خلال حقبة الثمانينات. لماذا لم يشارك ويتقدم الصفوف أبناء النافذين في النظام السياسي؟ لماذا أبناء المساكين هم الذين يتقدمون كوقود للحرب؟ ولا تصدقوا دعواهم حتى تروا أبناء النافذين في النظام السياسي يتقدمون صفوف المتطوعين للقتال. واطمئنوا، فلن يحدث ذلك أبدا. أضمن لكم بأن هذا لن يحدث أبداً. بل الأهم من ذلك أن يرتقي الشباب عن الطرح والتقسيم الطائفي ويشارك بقية الشعب في مطالبتهم بالحقوق المشروعة وهذا هو النضال السلمي المطلوب. ولا تكونوا كالذي أضاع قطعة ثمينة في مكان مظلم. قطعة نقود ثمينة في مكان مظلم أضاعها، لم يبحث عنها في هذا المكان المظلم، فاعتقد أن بإمكانه إيجادها بالبحث عنها في مكان بعيد لكنه مضيء. هذا لن يحقق النتيجة. عليك أن تعالج أوضاعك الداخلية قبل أن تبحث في علاج مشاكل الآخرين. وعليكم بالحذر من أدعياء العنف والطائفية الذين يستخدمون أسماء مستعارة لتأجيج الشباب. ولا يخالطني شك في أن الكثير منهم هم من العناصر الفاسدة في السافاك السعودي سيء الصيت. وقد لاحظت أنا هذا بنفسي: هناك معرفات يا إخوتي موجودة في تويتر والفيسبوك مهمتها نشر هذه الأشياء وهؤلاء الأشخاص لا يساورني شك بأنهم موجودين في أجهزة أمنية للتغرير بالشباب ومن ثم مطاردتهم. فعلينا الحذر وعلينا تحذير الآخرين من مثل هذه النتيجة.

الملاحقة الدولية للمنتهكين من القضاة والمحققين (قراءة في وثيقة مناهضة التعذيب) – الدكتور عبد الكريم الخضر
هذه قراءة في أهم اتفاقية مُناهضة التعذيب والمسماة اتفاقية مناهضة التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهنية هذه مسمياتها الدولية , هذه الاتفاقية اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 39 /46 المؤرخ في ديسمبر 1984 م وتاريخ بدء النفاذ فيها وهو يونيو 1987 م هذه الاتفاقية عنيت بمتابعة حالات التعذيب ومناهضتها لذلك صدرت مقدمتها بوجوب التزام الدول على الاعتراف بها , والاعتراف بها هو اعتراف ضمني بالحقوق المتساوية لجميع أعضاء الأسرة البشرية لأنها لا تقتصر على جنس دون آخر أو عرق دون آخر بل هي عامة و شاملة للجميع وبناء على المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية وكلتا المادتين تنص على عدم تعرض احدهم للتعذيب أو المعاملة المهينة أو اللاإنسانية ومراعاة لإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب الذي اعتمدته الجمعية العامة في 9 ديسمبر 1975 م .
ورغبة في زيادة النضال ضد التعذيب في جميع صوره اتفقت مجموعة الدول التي انتظمت في هذه الوثيقة على هذه المواد ضمن الوثيقة وإيضاح للمقصود أقول 1 – جاءت هذه المواد مُعرفة لماهية التعذيب وكيفية إثبات التعذيب وتحريم التعذيب. ثم بعد ذلك سنعرج على كيف ترفع قضية دولية على من مارس عليك التعذيب و لا تخرج أي دولة أي عن هذه الوثيقة فالجميع تحت المساءلة .
1- المادة الأولى تعريف التعذيب المحرم دولياً هو : أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد أو تعذيب جسدي أو عقلي مثل الحروب النفسية هذا يعتبر من التعذيب بقصد الحصول على معلومات أو اعترافات أو تخويفه أو إرغامه أو يلحق هذا الألم و العذاب لأي سبب من الأسباب أو يسكت عنه موظف رسمي.وهنا أقف وقفه ما يتعلق التعذيب الذي يمارسه بعض الضباط عند التحقيق ومن وقع عليه هذا التعذيب من حقه إن يرفع قضية على من مارس عليه التعذيب أو من علم بالتعذيب وسكت عنه لأنه يعتبر داخلا فيمن مارس التعذيب
2- المادة الثانية : لا تخل المادة الأولى بأي صك دولي أو تشريع وطني يتضمن إحكاماً ذات تطبيق اشمل مثلا لو أن دولة لديها تشديد في مسألة حماية الإنسان عن هذه العقوبات هل نلجأ إلى هذه المادة الأولى أو إلى هذا التشريع الذي يحمل حماية أكثر للإنسان نلجأ للثاني لأن المقصود حماية الإنسان من التعذيب بكل صوره.
ولا يحق للضابط الذي مارس التعذيب أن يتحجج بأن المسوغ للتعذيب أنه يريد الحصول على معلومات يعتقد أنها تضر بالدولة الفلانية لابد أن يكون التحقيق وفق الضوابط القانونية الموجودة في البلد ولا يوجد أي بلد في العالم يبيح لأي شخص التعذيب أي كان .
وبالتالي فمن مارس هذا فقد خالف المادة الأولى و يعرض نفسه للمحاكمة في أي محكمة دولية أو أي محكمة من المحاكم التي وضعت لنفسها سلطة ملاحقة الناس الذين يمارسون التعذيب كالمحاكم الأوربية و غيرها .
إذاً يجب أن تقوم كل دولة بمنع التعذيب و لا يجوز أن يعتذر الإنسان بأوامر رئيسه أو وزيره وهذا نص المادة الثانية : كل دولة طرفاً في هذه الوثيقة عليها أن تتخذ إجراءات تشريعية و إدارية و قضائية فعّالة لمنع أعمال التعذيب ولا يجوز التذرع بأي ذريعة استثنائية فلا يقول هذه ظروف حرب أو إرهاب يجب على الإنسان المُمارس للتحقيق أو القضاء أن يعمل وفق هذه الضوابط وعندما نأتي لدين الإسلام لا شك أن الإسلام حرم هذا كله ( أعمال التعذيب) ولكن البعض لا يرتدع إلا لما يوضع أمامه مواثيق دولية يعلم أن أي ممارسة يمارسها أمام من يراد التحقيق معه انه حتى لو لديه معلومات من رئيسه لا يسوغ له التعذيب و سيتم ملاحقته ,ورأينا ذلك كثيراً منها ما قرأناه في الصحف عن الضباط العراقيين الذين مارسوا التعذيب أيام صدام حسين لما نزلوا في فرنسا قبض عليهم فوراً لأنه سبق ورفع ضدهم قضايا تعذيب .
3 – تقول المادة الثالثة أنه لا يجوز لأي دولة طرف في الاتفاقية أن تطرد شخص أو تعيده لبلده أو تسلمه لدولة أخرى إذا توفرت لديها أسباب حقيقية تدعوا إلى الاعتقاد بأنه قد يتعرض للتعذيب فيها
4-المادة الرابعة يجب على كل دولة إلى أن تجرم التعذيب و تُصدر قوانين تجرم التعذيب وينطبق الأمر ذاته إلى قيام أي شخص بممارسة التعذيب أو التواطؤ في التعذيب .
5- المادة الخامسة على كل دولة أن تعتقل من ثبت قيامه بالتعذيب أو المشاركة فيه أو سكت عنه وعرضه على القضاء .
6-المادة السادسة تقول تقوم أي دولة لدى اقتناعها بعد دراسة المعلومات المتوفرة لها أن الظروف تبرر احتجاز شخص موجود على أرضها يُدعى أنه اقترف جرماً مشار إليه في المادة الرابعة باحتجازه . وهذه المادة هي التي سوغت لدول أوربا كلها أن تصدر أحكام باعتقال الأشخاص بحق من سبق له أن مارس التعذيب في أي مرحلة من مراحل حياته حتى لو كان ضابط أُحيل للتقاعد . كيف يثبت ذلك تُدرس القضايا التي تُرسل فإذا اقتنعت الدولة بوجود تعذيب تصدر أمر بالقبض عليه فمتى ما نزل لهذه الدولة أو الدول التي تشترك معها أحيانا يتم تنفيذ القبض .مثل الرئيس السوداني نراه يتخوف أن ينزل في أي دولة لأنه موجه له تهمة ومطلوب للمحكمة الدولية .
7-المادة السابعة كل دولة وطئ أرضها شخص قام بالتعذيب كما هو معرف في المادة الأولى يجب أن تقوم بمحاكمته .
8-المادة الثامنة وضحت وجوب تسليم من قاموا بالتعذيب مثلاً إذا دولة لم تحاكم من قام بالتعذيب و أقيم عليه دعوى في بلد أخرى فلابد أن تسلمه بلده لهذه الدولة وتتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية أن تدرج هذه الجرائم وتقبل تسليمه أي كان منزلته .ولا يمكن لدولة أن تضحي بمواثيقها الدولية من أجل أشخاص فكم تبذل الدول من اجل تلتحق بمجلس حقوق الإنسان وغيره لتثبت أنها متحضرة و متقدمه لكي توقع مثل هذه البيانات ثم يراد أن تخسر هذا الأمر من أجل أشخاص .
تقول المادة الحادية عشر : تبقي كل دولة قيد الاستعراض المنظم قواعد الاستجواب وتعليماته وأساليبه وممارساته وكذلك الترتيبات المتعلقة بحجز ومعاملة الأشخاص الذين يتعرضون للسجن و ذلك بمنع حدوث التعذيب .
المادة الثانية عشر تنص على أن تلتزم كل دولة بالتحقيق السريع في أي حالة تعذيب تُرفع لها لإثبات مصداقيتها من عدمها . وهنا لابد تقديم وثائق وما أن تترجح مصداقية حدوث التعذيب يجب أن تبدأ بالاستجواب و التحقيق .
هل هذا يعنى به المؤسسات أو الجمعيات أو الجميع وتم الإجابة على هذا السؤال في المادة الثالثة عشر التي بينت أن كل شخص يرفع شكوى لسلطات الدولة عند تعرضه للتعذيب ” كل دولة يدعي فردها بأنه تعرض للتعذيب في أي إقليم يقع تحت سلطتها القضائية له الحق في رفع شكوى ولابد للدولة أن تتخذ الخطوات اللازمة لحمايته .
المادة الرابعة عشر تضمن كل دولة في نظامها القانوني إنصاف من تعرض للتعذيب و تمتعه بحقه الكامل في القضاء و رفع الدعوى على خصمه و إن لم تنصفه الأرض التي هو عليها فمن حقه أن يرفع قضية في أي دولة يعتقد أنها ستنصفه في ذلك وعلى الدولة إذا كانت موقعه على الاتفاقية أن تقبل هذه الدعوى .
المادة الخامسة عشر وهي مهمة تبين عدم صحة الاستشهاد بأي اعترافات انتزعت تحت التعذيب و انه يبطل الاستدلال بها وان أي قاضي حكم بها فهو واقع تحت مسئولية هذه الوثيقة .
فإذا قال الشخص أني قلت هذه الاعترافات انتزعت مني تحت الإكراه والتعذيب و قبِل بها القاضي رغم ذلك فقد أوقع نفسه تحت عقوبة هذه الوثيقة ( مناهضة التعذيب ) وبالتالي يحق للشخص أن يرفع لأي دولة هذه المَظلمة .
ونص المادة ” كل دولة تضمن عدم الاستشهاد بأي أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة التعذيب كدليل في أي إجراءات إلا إذا كان ذلك شخص متهم بالتعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال

تُلزم هذه الاتفاقية كل دولة بمنع المعاملة القاسية و المهينة ولو لم يصل لمسمى تعذيب أن يمارس في أقاليمها
ومن الذي يدير هذا الأمر هي لجنة مناهضة التعذيب المنشئة بموجب المادة السابعة عشر من هذه الوثيقة و التي نصت على وجود لجنة لمناهضة التعذيب و تقوم بالمهام المنصوص عليها فيما بعد . وقُدم أناس كثر من جميع الدول للقضاء حتى سمعنا عن رئيسة وزراء إسرائيل قبل سنوات لما نزلت في احد مطارات بريطانيا عادت مخافة أن تطالها الملاحقة نظراً لأن هناك قضايا مرفوعة عليها ..وهذه رئيسة وزراء .
كيف يتم إجراءات التقاضي المادة العشرون من هذه الاتفاقية قالت أنه لابد أن يوجد لجنة تتلقى الشكاوى حتى الشكاوى الفردية بشكل سري وهم قضاة دوليين متفرغين فان رجح لديهم أن من رفعت ضده هذه الشكوى قام بالتعذيب فعلاً يقومون بالتواصل مع اللجنة ثم تتخذ الإجراءات لرفع الدعوى ثم طلبه من بلده وان كان هذا البلد لا يستجيب تبقى هذه الدعوى جاهزة ويعمم أسمه في الدول الموقعة على الاتفاقية و ما أن ينزل في مطاراتها يتم اعتقاله مباشرة .
السؤال الذي يسأله الكثير ..هل تُقبل الشكاوى الفردية .؟
الجواب نعم تقبل وهذا ما نصت عليه المادة الثانية والعشرون والتي اعترفت باختصاص اللجنة في النظر بالشكاوى سواء من أفراد أو نيابة عن أفراد لا يلزم أن يكون الشخص الذي وقع عليه التعذيب هو الذي يرفع الشكوى ممكن أن يوكل أحد أو يرفع أوراقه لشخص آخر وإن لم يكن معه وكالة ولكنه هناك يتعهد بأن هذا الشخص يطالب بحقه.
إذاً يمكن للشخص أن يرفع مظلمته و يُحكم له و يُحاكم من عذبه وهو لم يغادر بلده .
وهنا نرى أن هذه الاتفاقية تشجع من وقع عليهم اضطهاد أن هناك محاسبة
الآن كيف يتم رفع الشكوى الفردية ضد من مارس التعذيب؟

يمكن الإنسان أن يرفع لأمين سر لجنة مناهضة التعذيب في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان و يكتب له مظلمته و يرفق وثائقه و العنوان ملحق بالوثيقة يستطيع أي إنسان أن يراسله .
وسمعت لقاء لأحد أعضاء هذه اللجنة قبل أربع سنوات كان هناك أشخاص في مصر يتأذون وقال لهم أن بإمكانهم الإرسال لعنوان اللجنة، وقد يأخذ الموضوع وقت فلا يتصور الشخص انه يأخذ شهر أو شهرين لكنه في النهاية لن تُهمل أي ورقة تصلنا وحتى القضايا الفردية لا نُهملها والآن أصبحنا أكثر من ثلاثين لجنة .

و أنا أقول أيها المتورطون في تعذيب المعتقلين في أي مكان يجب عليكم أولاً الخوف من الله عز و جل وان الله ساءلكم عن كل ما تقومون به ,فمن لم يخف من النص الشرعي فليعلم أن جميع المواثيق الدولية وضحت أولاً ماذا يعني مصطلح التعذيب وان كل ما يعتبر داخل تحت التعذيب فإن من حق من وقع عليه أن يرفع دعوى ضد من مارس عليه هذا الأمر وبالتالي فأنه يتوقع أن تقع عليك هذه الأمور ويتم استدعاءك وان لم يتم استدعاءك قد يأتي يوم حتى لو بعد سنوات وتذهب للسفر في رحلة علاج أو سياحة و تنزل في المطار تجد أن هناك دعوى مرفوعة ضدك فينبغي لكل من تورط في حالات تعذيب أن يتوقف فوراً عن ذلك وان يعلم انه لن يغنيه أمام الله احد وكذلك أمام المحاكم الدولية و أن هذه الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات قد وقفت بالمرصاد لكل من يقوم بهذه الأفعال فليحذر من مارس التعذيب ويتوقف مباشرة .

(من تعرض للتعذيب في أي دولة كانت سواء دولته الأم الأصلية أو دولة أخرى فأنه يمكن أن يكتب جميع ما تعرض له من انتهاكات أو تعذيب أو معاملة قاسية أو مهينة ثم يقوم بإرسالها عن طريق البريد أو الفاكس أو الإيميل إلى أمين سر لجنة مناهضة التعذيب – مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان)

Advertisements

Universal Declaration of Human Rights states that no one shall be subjected to torture or to cruel, inhuman or degrading treatment or punishment. In a similar vein, Arab Charter on Human Rights declares that no one shall be subjected to torture. Locally, Code of Criminal Law explicitly says that “detainees shall not be subjected to any bodily or moral harm and he shall not be subjected to any torture or degrading.” That is, torture, from a legal stand of point, is prohibited as stated in Code of Criminal Law which regulates the procedures of Ministry of Interior, as well as in the universal and Arabic declarations that the Saudi government signed, which the Basic Law of Governance affirms that they should be respected by the Saudi government.
However, these commitment and regulations, and many various regulations as well, remain ink of paper as the rights of thousands of detainees are violated in the infamous prisons of Ministry of Interior, in addition to their illegal detention in the first place. The horrible reputation of these prisons is due to hundreds of stories told by previous prisoners we mention here just a few of them:

1. Abdullah Ahmad Fathi al-Jandali al-Rifa’i: one of the accused in the so-called Jeddah Reformers Case.
Abdullah tells in an audio recording leaked by Saudi Civil and Political Rights Association (ACPRA): “I have received massive threats and been subjected to physical, psychological, and emotional harm by interrogators. I was beaten up so badly by the integrator and others to the extent that I sustained impairment in both of my ears. Also, I was threatened that my family members will be harmed. I was taken to the torture room where they extracted my fingernails with pliers and was threatened to be raped.”

2. In 2000, Professor Muhsin al-Awaji has documented feedbacks from previous detainees who were subjected to the cruelest torture in prisons in the 1990s when Prince Nayef al-Saud was a Minster of Interior. Even though that Nayef disapproved what was presented to him, he failed in taking any serious steps to punish the officials involved in torture or compensate the victims. Feedbacks about torture include insulting the religious beliefs of prisoners and threats with rape (and some cases being forced to strip naked) to lashing, beating, burning, and hanging upside down.
“I was screaming “Oh Allah, Oh Allah” when he was beating me up, to which he would reply: Even If Allah comes down on earth, He could not let you escape from me”
“I had been hung upside down, beaten with a stick, electrified, and threatened to harm my wife. They poured hot tea and coffee on my body directly and was lashed by the interrogators (more than 15 persons) for more than three consecutive hours”.
“He ordered me to strip naked and they cuffed my hands (from behind) and legs. He ordered me to “prostrate like you do to God” not listening to my begging then they lashed me for three hours”

3. The cruel torture that detainees are subjected to exceeds the goal of extracting information, reaching what can be described as sadism by the interrogators which caused the death of many in the prisons of Ministry of Interior prisons. For instance, one of the reasons that human rights defender and activist Mohamamd al-Bajadi was arrested was because he exposed the death of a Yemeni detainee under torture. In October 2012, Dr. Mohammad al-Qahatni reported the death of another Yemeni detainee under torture. Also, in December 2012, al-Qahatni reported the death of Mikhled al-Otaibi in Dhahban Prison under torture. The stories of death under torture date back to old times. In 1998, Mohammad al-Hayek died, probably under torture, in General Intelligence Directorate in Dammam (al-Mabahith al-A’ma) and his family was denied the right to bury his body.

Local civil human rights groups, despite government persecution, make great efforts in documenting these cases which portray the extent of these violations that are evident in all prisons across the kingdom. Dr. Mohammed al-Qahatni, who is one of the founding members of Saudi Civil and Political Rights Association (ACPRA), argues that brutal practiced by General Intelligence Directorate “can be proved beyond reasonable doubt in a court of law whenever ACPRA has the chance.” The continuation of these violations of human rights for decades across all prisons in Saudi despite hundreds of complaints filed leaves no doubt that they are systemic in nature and officials of Ministry of Interior are not willing to put an end to them. Our campaign, which is a small gesture, is a shout in the dark to expose some of the injustice acts that detainees are subjected to and an opportunity to affirm that officials of Ministry of Interior will be held accountable for their deeds eventually.

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم جواز تعرض أي إنسان للتعذيب ولا الأعمال المحطة بالكرامة. الميثاق العربي لحقوق الإنسان ينص على عدم التعذيب وفي الحالة السعودية ينص قانون الإجراءات الجزائية بصراحة على أنه “يحظر إيذاء المقبوض عليه جسدياً، أو معنوياً، كما يحظر تعريضه للتعذيب، أو المعاملة المهينة للكرامة”. إذن من ناحية نظامية فإن التعذيب غير قانوني كما هو منصوص في قانون الإجراءات الجزائية الذي ينظم عمل وزارة الداخلية وفي المواثيق العربية والدولية التي وقعت عليها الحكومة السعودية وينص النظام الأساسي للحكم على احترامها.

لكن كما هو حال كثير من القوانين في السعودية، تبقى هذه الالتزامات والتنظيمات مجرد حبر على ورق وتنتهك حقوق آلاف المعتقلين في سجون وزارة الداخلية سيئة السمعة إضافة على الاعتقال غير القانوني لهؤلاء الأشخاص في المقام الأول. السمعة السيئة للسجون السعودية منشأها مئات القصص عن التعذيب المنهج للمعتقلين نذكر منها:

1. عبدالله أحمد فتحي الجندلي الرفاعي: أحد المتهمين في قضية إصلاحيي جدة.
يذكر عبدالله في تسجيل صوتي بثته جمعية حسم: “إنني تعرضت من قبل المحققين إلى تهديدات كبيرة جداً وإلى إيذائي جسدياً ونفسياً ومعنوياً ومن ذلك إنني ضربت أثناء التحقيق ضرباً مبرحاً من قبل المحقق وغيره مما أدى إلى الإصابة بعاهة وعطب في كلتا أذناي كما تم تهديدي خلال فترة التحقيق بإيذاء أهلي وأفراد أسرتي، كذلك أخذي إلى غرفة التعذيب وكذلك إخراج أظافري بالزرادية وكذلك تهديدات مبهمة كما تم تهديدي بالاغتصاب عدة مرات.”

2. وثق الدكتور محسن العواجي في عام ألفين 12 إفادة من معتقلين تعرضوا لأقسى ممارسات التعذيب في التسعينات في تقرير قدمه إلى وزير الداخلية السعودية حين ذاك الأمير نايف آل سعود. على الرغم من أن وزير الداخلية قال أنه يرفض هذه الممارسات لكنه لم يتخذ أي إجراءات عقابية بحق المعذبين أو تعويضية بحق الضحايا. تتضمن الإفادات إهانة المعتقدات الدينية للمعتقلين والتهديد بالاغتصاب (وفي بعض الحالات التعذيب الجنسي مثل التعري) وصولاً إلى الجلد والضرب المبرح والحرق والتعليق المنكوس.
“أثناء ضربي وتعذيبي كنت أصرخ وأقول يا لله يا لله فيقول ( والله لو ينزل ربك من السماء ما يفكك مني )”.
“تعليق.ضرب بالسياط . تهديد بإحضار الزوجة .تهديد بالكهرباء . رش الشاي والقهوة حارة على جسمي مباشرة ووضعي في الفلكة. وأخذ يضرب بالسياط هو ومن معه يتناوبون على ضربي وهم أكثر من خمسة عشر فرد لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة”.

“وأمرني بالتفصيخ والتعري من ملابسي كلها وقام بوضع يدي خلف ظهري ورجلي في القيد وقال فنقص وقلت له كيف أفنقص قال كما تسجد لربك فقلت له اتقى الله فأخذت أقاومهم أتجنب آذاهم وقد قاموا بضربي في الفلكة مايقارب ثلاث ساعات متواصلة”

3. التعذيب القاسي الذي يتعرض له المعتقلون يتعدى مجرد استخراج المعلومات إلى سادية يتصف بها المحققون تسببت في مقتل العديد من المعتقلين في السجن. على سبيل المثال، كان كشف مقتل أحد المعتقلين اليمنيين في السجون على إثر التعذيب من أسباب اعتقال المدافع عن حقوق الإنسان محمد البجادي في عام 2011. في اكتوبر 2012، كشف الدكتور محمد القحطاني عن مقتل أحد السجناء اليمنيين على إثر التعذيب. في ديسمبر 2012، كشف الدكتور محمد القحطاني عن وفاة المعتقل مخلد العتيبي في سجن ذهبان على إثر التعذيب. قصص موت السجناء والتعذيب تعود إلى سنين قديمة، ففي عام 1998 توفي المعتقل محمد الحايك في مقر قيادة المباحث العامة في الدمام ولم يسمح لعائلته بتسلم جثمانه.

تبذل الجهات الحقوقية الأهلية –وعلى الرغم من محاربة السلطات لها- دور كبير في توثيق هذه الحالات بما يوضح الحجم الكبير لهذه الانتهاكات ووجودها في كل سجون وزارة الداخلية. يجادل القحطاني، أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية حسم بأن ” التعذيب الفظيع الذي تورط فيه جهاز المباحث فنحن أن شاء الله قادرين على إثباته عندما نمثل أمام محكمة علانية وعادلة”. إن استمرار هذه الانتهاكات لمواثيق حقوق الإنسان من قبل وزارة الداخلية وعلى مدى عقود على الرغم من الشكاوى المقدمة من الجهات الحقوقية المحلية والدولية لا يدع مجالاً للشك بمنهجية عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلين وعدم جدية مسؤولي وزارة الداخلية في إيقافها. إن هذه الحملة البسيطة هي صرخة في الظلام لتوضيح المظالم التي يتعرض لها المعتقلون في السجون وفرصة للتأكيد على أن انتهاكات وزارة الداخلية لا يجب أن تمر بدون حساب.

سجين سياسي سعودي يعود لمنزله، بعد إعتقال وتعذيب، وحبس دون محاكمة

يعقوب تيم بلين – مجلة التايم

يُعلّم غازي الحربي ابنته القيادة أيام العطل. تبلغ ابنته رفاء من العمر 9 أعوام ولا يسمح للنساء بالقيادة في السعودية أصلا لكن هذا لم يمنعها من أن تجلس في حجر والدها وتمسك المقود. تقول لوالدها وهو يضحك: “الأمر على ما يرام، أنا متحكمة بالسيارة، لا تخف”. يعلمها الطريق من أحد دوارات مدينة تبوك الصغيرة ويدعها تكمل المشوار إلى المنزل.

يقضي غازي الحربي معظم أيام العطل مع ابنته. لقد أمضى السبع سنوات الماضية في السجن وهو الآن يسعى للتعويض عنها بأن يتعرف على ابنته. يقول: “أشاهد ابنتي لكني لا أشعر أنها حقا ابنتي. أحاول أن أقوي ارتباطي بها لكني لازلت لا أشعر أنها ابنتي التي كنت أعرفها.”

كان عمر ابنته سنتين فقط عندما اعتقل من قاعدة الملك فيصل الجوية -التي تبعد أميالا قليلة عن منزله- حيث كان يعمل ضابطا في وزارة الدفاع السعودية. اتهم بالتآمر على خيانة الدولة والسعي لإقامة مظاهرات ضدها، لكنه ينفي كلا الجرمين. يقول: “لم يسبق أن شاركت في مظاهرة، ولم يسبق أن دعوت لمظاهرة. كنت أذهب من العمل إلى المنزل وكنت أعيش حياتي لأسرتي”.

يقول الحربي أنه أمضى أربع سنوات في السجن قبل أن يَدْفع عن نفسه تلك الاتهامات أمام المحكمة. يقول: “قادوني إلى القاضي وأنا معصوب العينين ومقيد القدمين. قلت له أن اتهاماتهم باطلة وطلبت أن يقدموا دليلا”. يقول أن القاضي حكم له بالاكتفاء بالمدة وأن من الواجب إطلاق سراحه؛ لكنه كان سجينا سياسيا وبالتالي كان تحت امرة وزارة الداخلية (أقوى ذراع أمني في السعودية). يقول غازي الحربي أن وزارة الداخلية نقضت قرار القاضي وأبقته في السجن ثلاث سنوات أخرى: “قالوا لي أني سجين فريد من نوعه وأنه لا يوجد قانون يعاملوني وفقا له”.

بعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة واجهت السعودية سلسة من هجمات القاعدة ضد أهداف مدنية وحكومية. استجابت المملكة لتلك الهجمات بأن منحت وزارة الداخلية سلطة لا مثيل لها لملاحقة الإرهابيين. يقول محمد القحطاني (ناشط حقوقي مشهور في الرياض) أن تلك السلطة يساء استخدامها: “لقد أطلقت يدي وزارة الداخلية لتعتقل أي شخص وترميه في السجن وتتركه في زنزانة انفرادية لسنوات دون أي حماية قانونية؛ وما حدث لغازي مثال واضح على ما تفعل هذه اليد المطلقة”.

أسس محمد القحطاني جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية (المعروفة باسم حسم) وهي إحدى المجموعات الحقوقية في البلاد. يقول أن قضية غازي الحربي شائعة في السعودية وأنه يتلقى من 8 إلى 10 اتصالات أسبوعيا من عائلات تقول أن أخا أو ابنا أو أبا لها معتقل تعسفيا دون أي حقوق قانونية. تعمل حسم منذ عام [2009] مع منظمة الكرامة (وهي منظمة مقرها جنيف تستهدف انتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي) وترسل القضايا إلى الأمم المتحدة. يقول القحطاني أن نشاطهم عرّضهم للمساءلة والتحقيق: “أوضحنا أننا لن نسكت عما يحدث وأننا سنتحدث علانية. لعل هذا أغضب وزارة الداخلية ودفعها لأن تلاحقنا”.

حاولت مجلة تايم أن تسأل وزارة الداخلية عن قضية غازي لكنها لم تتلقَ ردا.

في الربيع الماضي التقى الناطق الرسمي لوزارة الداخلية العميد منصور التركي بمجموعة من الصحفيين الأمريكيين واعترف بأنهم اعتقلوا أناسا بالخطأ. قال: “حتى لو ارتكبنا خطأ فلا بأس لأننا سنعرف أثناء التحقيق إن كان الشخص بريئا وسنطلق سراحه” لكنه قال أيضا أن وزارة الداخلية لا تعتقل أحدا دون أدلة قوية تثبت تورطه في الإرهاب. “اعتقلنا رسميا 11،000 شخص. كم من هؤلاء مسجون الآن؟ حوالي 50% منهم.”

في 2009 أفضى تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش إلى نتيجة مختلفة. قابلت المنظمة عشرات من عائلات المعتقلين السياسيين في 2006 و2007 وختم تقريرها إلى أن “اثنين فقط من أولئك قالوا أن أقاربهم قُدّموا للمحاكمة. تقول العائلتان أن هذين الرجلين أكملها محكوميتهما لكنهما ظلا معتقلين.” يتحدث التقرير أيضا عن ضرب السجناء وحرمانهم من النوم وتهديد عائلاتهم.

أطلق سراح غازي الحربي في فبراير، ويقول أن ظروف إطلاق سراحه لا تقل غموضا عن ظروف اعتقاله ولذلك فهو يخاف من أنه قد يعود لسجن في أي لحظة. يقول: “أعيش كابوسا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أعيش خائفا…أشعر أني بدون حقوق”.

عاد الضابط إلى وظيفته القديمة في العسكرية لكنه الآن يتلقى الأوامر من زملاء كانوا أقل رتبة منه. جدوله الصباحي لا يختلف أبدا عما كان عليه قبل سجنه: يطوي أكمام بدلته العسكرية ويربط حذائه ويغطي رأسه بالقبعة العسكرية لكنه يقول أن إحساسه تغير: “كنت أشعر بالفخر والإصرار حين أرتدي البدلة، وكنت أذهب للميدان وأجلس من بقية الجنود وأنا فخور…لم يعد الأمر كما كان قبل سبع سنوات”.

ڤيديو التقرير

٢٠١٣٠١٠٤-١٨٥٩٠٠.jpg

‏نظراً لكثرة الانتهاكات التي انتشرت مؤخراً من قبل وزارة الداخلية ضد المعتقلين في السجون السعودية دون عقاب رادع ‏لهم أو اتخاذ أي جراءات من قبل السلطة لإيقافهم، ارتأينا كمواطنين أن نساهم بنشر هذه الانتهاكات رغبة في إيقاف ما يحصل. أحد هذه الانتهاكات هي التعذيب في السجون.

‏المملكة العربية السعودية انضمت للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق العربي لحقوق الإنسان وأتت بنظام الإجراءات الجزائية، وكلها تتضمن مواد تجرّم التعذيب النفسي والجسدي والحطّ من كرامة الإنسان. ومع ذلك فإن المساجين تعرضوا وما زالوا يتعرضون للتعذيب في السجون والذي أدّى إلى إصابة البعض بالشلل أو بالجنون.

والتعذيب، وفقاً لويكيبيديا، مصطلح عام يُستعمل لوصف أي عمل يُنزل آلامًا جسدية أو نفسية بإنسان ما وبصورة متعمدة ومنظمة كوسيلة من وسائل استخراج المعلومات أو الحصول على اعتراف أو لغرض التخويف والترهيب أو كشكل من أشكال العقوبة أو وسيلة للسيطرة على مجموعة معينة تشكل خطرا على السلطة المركزية.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
المادة 5
لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.
الميثاق العربي لحقوق الإنسان:
المادة 8
1- يحظر تعذيب أي شخص بدنياً أو نفسياً أو معاملته معاملة قاسية أو مهينة أو حاطة بالكرامة أو غير إنسانية.
2- تحمي كل دولة طرف كل شخص خاضع لولايتها من هذه الممارسات، وتتخذ التدابير الفعالة لمنع ذلك وتعد ممارسة هذه التصرفات أو الإسهام فيها جريمة يعاقب عليها لا تسقط بالتقادم.
مادة 20
1- يعامل جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة المتأصلة في الإنسان.
نظام الإجراءات الجزائية:
المادة ٢
لا يجوز القبض على أي إنسان، أو تفتيشه، أو توقيفه، أو سجنه إلا في الأحوال المنصوص عليها نظاماً، ولا يكون التوقيف أو السجن إلا في الأماكن المخصصة لكل منهما وللمدة المحددة من السلطة المختصة·ويحظر إيذاء المقبوض عليه جسدياً، أو معنوياً، كما يحظر تعريضه للتعذيب، أو المعاملة المهينة للكرامة.
المادة ٣٥
في غير حالات التلبس، لا يجوز القبض على أي إنسان أو توقيفه إلا بأمر من السلطة المختصة بذلك، ويجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه جسدياً أو معنوياً، ويجب إخباره بأسباب إيقافه، ويكون له الحق في الاتصال بمن يرى إبلاغه·
المادة ١٠٢
يجب أن يتم الاستجواب في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله، ولا يجوز تحليفه ولا استعمال وسائل الإكراه ضده· ولا يجوز استجواب المتهم خارج مقر جهة التحقيق إلا لضرورة يقدرها المحقق·

تهدف الحملة هذه إلى التعريف بحقيقة التعذيب وقضايا من عُذبوا في السجون السعودية مشاركة منّا في قول كلمة الحق ضد سلطان جائر وأملاً بأن نكون صوت من يتعرضون لأقسى الظروف ولا يستطيعون إيصال أصواتهم.

آلاف المساجين تعرضوا أو يتعرضون الآن للتعذيب، بعضهم أطفال كاليزن الجزائري ذو الخمسة عشر عام والذي تضرر سمعه وبصره جراء التعذيب المستمر، بعضهم خرج بعاهة دائمة كصالح المهوس الذي أصيب بالشلل، وبعضهم نقل إلى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية شهار كالشاب عبدالله الرفاعي، والبعض مات بسبب التعذيب كسلطان الدعيس أو جراء الحرمان من الرعاية الصحية بعد التعذيب كخالد الرزني.

ستبدأ الحملة في ١٠ يناير إلى ١١ يناير. ويستطيع الجميع المشاركة سواء بإرسال تدويناتهم لنا MOI.Violations@gmail.com أو بالكتابة باستعمال الوسم MOITorture#
حساب الحملة في تويتر MOIViolations@

تقرير مركز العدالة لحقوق الإنسان عن الأطفال المعتقلين

Law of Criminal Procedures the Saudi government keeps violating.